قراءة سوسيولوجية نقدية لمقال: “نيتشه في الخميسات.. فلسفة العود الأبدي في مواجهة رتابة المكان” | بقلم: الأستاذ عبد السلام دهمان (داحوس عبدوس)
تفاعل ونقاش نقدي معمّق مع مقال الشاعر والباحث حسن بوجات المنشور بالمنصة تحت عنوان: «الخميسات.. حياة وفق “العود الأبدي”! (نيتشه في الخميسات: فلسفة العود الأبدي في مواجهة رتابة المكان)».
«من نقد الركود المحلي إلى مساءلة البنيات الاجتماعية والسياسية المنتجة للتهميش»
يقدم مقال الشاعر والباحث حسن بوجات نصاً نقدياً مشحوناً بالقلق الوجودي والغيرة على مدينة الخميسات، يتجاوز في ظاهره حدود الوصف المحلي ليطرح إشكالية سوسيولوجية عميقة تتعلق بعلاقة الإنسان بالمجال، وبكيفية إنتاج الركود الاجتماعي وإعادة إنتاجه، وبأثر السياسات العمومية في تشكيل الوعي الجماعي وتوجيه السلوك السياسي للمواطنين.
غير أن أهمية المقال لا تكمن فقط في تشخيصه لأزمة المدينة، بل أيضاً في الأسئلة التي يثيرها، وربما في التناقضات التي يحملها خطابه. فمن منظور سوسيولوجي نقدي، لا يكفي أن نصف المدينة بأنها تعيش التكرار والانتظار والتهميش، بل ينبغي أن نسائل الشروط الاجتماعية والاقتصادية والمؤسساتية التي تجعل هذا التكرار ممكناً، والآليات التي تضمن استمراره، والقوى الاجتماعية التي تستفيد منه أو تعجز عن تغييره.
ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة المقال عبر مجموعة من المستويات والطبقات التحليلية المترابطة:
1- العود الأبدي: من الاستعارة الفلسفية إلى إعادة الإنتاج الاجتماعي
يوظف الكاتب مفهوم «العود الأبدي» عند فريدريك نيتشه باعتباره استعارة لواقع مدينة يبدو فيها الزمن متوقفاً، وتبدو الأحداث والوجوه والخطابات وكأنها تعيد إنتاج نفسها بلا نهاية.
إن هذا التوظيف يمنح النص قوة أدبية واضحة، لكنه يطرح إشكالاً معرفياً أساسياً: هل العود الأبدي عند نيتشه مرادف للركود التاريخي والاجتماعي؟
في الحقيقة، يرتبط المفهوم النيتشوي أيضاً بسؤال وجودي وأخلاقي حول تأكيد الحياة والقدرة على قبول تكرارها، وليس بنظرية سوسيولوجية لتفسير استمرار البنيات الاجتماعية. لذلك، فإن مفهوم إعادة الإنتاج الاجتماعي لدى بيير بورديو يبدو أكثر ملاءمة لفهم الظاهرة التي يصفها الكاتب. فالمشكل في الخميسات، كما يصوره المقال، ليس مجرد تكرار زمني للأحداث، بل استمرار علاقات اجتماعية وسياسية تنتج نفس النتائج، حتى عندما تتغير الظروف والأشخاص جزئياً.
❓ السؤال السوسيولوجي المركزي:
ما الآليات التي تسمح بإعادة إنتاج نفس النخب المحلية، ونفس أنماط التدبير، ونفس علاقات التبعية، رغم استمرار الخطاب المطالب بالتغيير؟
إن الإجابة عن هذا السؤال تقتضي الانتقال من نقد الأشخاص إلى تحليل قواعد اشتغال الحقل السياسي المحلي، بما فيه من شبكات المصالح والوساطة والزبونية وتفاوت الموارد الاقتصادية والرمزية. فاستمرار الوجوه السياسية، لا يفسَّر فقط بتشبثها بالمناصب، بل قد يرتبط كذلك ببنية المنافسة الانتخابية، وضعف التنظيمات الوسيطة، وطبيعة العلاقات بين المنتخبين والناخبين، ومحدودية البدائل السياسية والاجتماعية. وبذلك، يصبح الركود نتيجة لبنية اجتماعية قابلة للتحليل والتغيير، وليس قدراً نيتشوياً محتوماً.
2- سوسيولوجيا الانتظار: الزمن بوصفه شكلاً من أشكال الهيمنة
من أكثر الأفكار عمقاً في المقال حديث الكاتب عن الانتظار باعتباره تجربة يومية ملازمة لحياة سكان المدينة. فالانتظار هنا لا يتعلق فقط بطابور أمام إدارة أو بغياب نشاط داخل مؤسسة شبابية، وإنما يتحول إلى نمط اجتماعي ينظم علاقة الفرد بالمؤسسات وبالمستقبل.
ويمكن مقاربة هذا الوضع انطلاقاً من مفهوم الهيمنة الزمنية؛ أي التفاوت في قدرة الفئات الاجتماعية على التحكم في وقتها وتوجيه مسارات حياتها. فالفرد الذي يمتلك الموارد الاقتصادية والاجتماعية يستطيع غالباً تجاوز بعض عوائق الانتظار، بينما يجد الفرد الذي يفتقر إلى هذه الموارد نفسه أكثر تعرضاً للتعطيل وعدم اليقين. ومن ثم، فإن الانتظار ليس بالضرورة تجربة متساوية بين جميع سكان المدينة.
فالشاب العاطل لا ينتظر بنفس الطريقة التي ينتظر بها الموظف المستقر، والمرأة التي تواجه صعوبات التنقل أو الولوج إلى الخدمات لا تعيش الزمن الاجتماعي بنفس الشروط التي يعيشها شخص يمتلك وسائل الحركة والموارد. وهذا التفاوت يغيب نسبياً عن المقال، الذي يتحدث عن «إنسان الخميسات» باعتباره ذاتاً اجتماعية شبه موحدة.
ومن الناحية السوسيولوجية، ينبغي تفكيك هذه الصورة العامة والبحث في الاختلافات الطبقية والجيلية والمجالية والنوعية داخل المدينة. كما أن الانتظار لا ينتج بالضرورة الاستسلام؛ فقد يتحول إلى احتجاج أو هجرة أو مبادرة جمعوية أو انسحاب من الحياة العامة. وبالتالي، فإن السؤال ليس فقط: لماذا ينتظر سكان الخميسات؟ بل أيضاً: من ينتظر؟ وماذا ينتظر؟ ومن يملك القدرة على الخروج من الانتظار؟
3- المدينة والتهميش: هل نحن أمام أزمة وعي أم أزمة بنية؟
يشير الكاتب إلى ضعف الإقبال على القراءة والمعرفة، وإلى محدودية الوعي بالحقوق والواجبات، بوصفها عوامل تساهم في استمرار الوضع القائم. وهنا تظهر إحدى أهم نقاط التوتر داخل المقال.
فمن جهة، ينتقد الكاتب المؤسسات المحلية بسبب عجزها عن توفير شروط التنمية والثقافة؛ ومن جهة أخرى، يميل أحياناً إلى تفسير استمرار التهميش بضعف وعي المواطنين أنفسهم. هذا التفسير يحتاج إلى قدر كبير من الحذر السوسيولوجي.
فعدم الإقبال على القراءة، مثلاً، لا يمكن اعتباره دليلاً مباشراً على غياب الوعي السياسي أو الاجتماعي. كما أن محدودية المشاركة في الشأن العام لا تعني بالضرورة الجهل بالحقوق. وقد يكون المواطن واعياً بحقوقه، لكنه لا يثق في فعالية المطالبة بها، أو لا يمتلك الموارد التنظيمية والاقتصادية التي تسمح له بالدفاع عنها. وهنا يمكن الاستعانة بمفهوم العنف الرمزي لدى بورديو، الذي يتيح فهم كيفية ترسخ بعض علاقات الهيمنة داخل الممارسات والتصورات اليومية، دون أن يعني ذلك أن الأفراد يفتقرون ببساطة إلى الوعي.
كما يمكن الاستفادة من مقاربة أمارتيا سن التي تربط التنمية بتوسيع القدرات والحريات الفعلية للأفراد. فالمواطن لا يصبح فاعلاً لمجرد امتلاكه معرفة نظرية بحقوقه، بل عندما تتوافر له الإمكانات المادية والمؤسساتية لممارسة هذه الحقوق.
وعليه، فإن السؤال الأكثر دقة ليس: لماذا لا يقرأ سكان الخميسات؟ وإنما: ما الشروط الاجتماعية والاقتصادية والتربوية التي تحدد علاقتهم بالمعرفة، وما مدى توفر المؤسسات التي تحول المعرفة إلى قدرة فعلية على المشاركة والتأثير؟ إن هذا التحول في صياغة السؤال يمنع تحميل الفئات المتضررة من التهميش مسؤولية وضع لم تكن بالضرورة صاحبة القرار في إنتاجه.
4- المجال الحضري وإنتاج اللامساواة: الخميسات ليست مجرد فضاء جغرافي
يصف الكاتب الخميسات بأنها فضاء يعاني القحط الثقافي والرمزي، ويشير إلى ضعف البنيات المخصصة للشباب والثقافة والترفيه. ويمكن قراءة هذا التشخيص في ضوء أعمال هنري لوفيفر حول إنتاج الفضاء والحق في المدينة.
فالمدينة، في المنظور السوسيولوجي، ليست مجرد مجموعة من الشوارع والمباني والمؤسسات، وإنما هي نتاج علاقات اجتماعية وسياسية واقتصادية تحدد من يستفيد من المجال ومن يُقصى من إمكاناته. ومن ثم، فإن غياب فضاء ثقافي أو ضعف تجهيز دار للشباب ليس مجرد نقص تقني في البنية التحتية، بل قد يكون مؤشراً على طبيعة الأولويات التي تحكم توزيع الموارد العمومية.
غير أن هذا التحليل يستدعي أيضاً عدم التعامل مع الخميسات باعتبارها جزيرة معزولة عن محيطها. فالمجال المحلي يتأثر بعلاقات أوسع تشمل السياسات الوطنية، والتفاوتات بين المراكز الحضرية، وتوزيع الاستثمارات، وفرص الشغل، واختصاصات الجماعات الترابية وحدود مواردها. وبالتالي، فإن اختزال أزمة المدينة في أداء المنتخبين المحليين وحدهم قد يحجب جانباً من العوامل البنيوية التي تتجاوز سلطتهم المباشرة.
إن المسؤولية عن التنمية مسؤولية متعددة المستويات، وتحديدها يقتضي التمييز بين ما يدخل ضمن صلاحيات الجماعة، وما يعود إلى القطاعات الحكومية، وما يرتبط بديناميات الاستثمار والاقتصاد الجهوي. وهنا تكمن ضرورة الانتقال من خطاب إدانة تدبير الشأن العام إلى تحليل سياسي واقتصادي لتوزيع السلطة والموارد داخل المجال الترابي.
5- العزوف الانتخابي وأزمة التمثيل: من الخيبة الفردية إلى فقدان الثقة المؤسسية
يطرح المقال قضية تراجع الثقة في العملية الانتخابية نتيجة استمرار الوجوه والخيارات السياسية نفسها. وهذه القضية تكتسي أهمية خاصة لأنها تمس العلاقة بين المواطنين والمؤسسات التمثيلية.
ويمكن تفسير هذه الظاهرة من خلال مفهوم الفعالية السياسية؛ أي اعتقاد الفرد بأن مشاركته يمكن أن تؤثر في القرارات والنتائج. فعندما تتكرر التجارب الانتخابية دون أن يلمس بعض المواطنين تحسناً في أوضاعهم، قد يتراجع شعورهم بجدوى المشاركة. لكن ينبغي التمييز هنا بين ثلاث ظواهر مختلفة: العزوف عن التصويت، ورفض الفاعلين السياسيين القائمين، وفقدان الثقة في الديمقراطية نفسها.
فالمواطن الذي يمتنع عن التصويت لا يكون بالضرورة غير مهتم بالشأن العام؛ فقد يكون امتناعه تعبيراً عن موقف احتجاجي، أو نتيجة ضعف العرض السياسي، أو بسبب عوائق اجتماعية وتنظيمية. وفي هذا السياق، تتيح أعمال ألبرت هيرشمان حول «الخروج والاحتجاج والولاء» (Exit, Voice, and Loyalty) فهماً أعمق لاستجابات الأفراد تجاه المؤسسات التي لا تلبي انتظاراتهم.
فبعض السكان قد يختارون التعبير والاحتجاج، وبعضهم ينسحبون من المشاركة، بينما يبحث آخرون عن بدائل خارج المدينة عبر الهجرة. وهذا يبرز قصور تفسير العزوف الانتخابي بوصفه مجرد استسلام أو ضعف وعي. كما أن الحكم على تجدد النخب المحلية يحتاج إلى معطيات انتخابية دقيقة: نسب المشاركة، وتجدد المرشحين والمنتخبين، وبنية الأحزاب، وتحولات التصويت، وأنماط المشاركة خارج المؤسسات الانتخابية. فمن دون هذه المعطيات، يبقى المقال شهادة نقدية مهمة، لكنه لا يقدم برهاناً إمبريقياً كافياً على جميع الاستنتاجات المتعلقة بالسلوك السياسي للسكان.
6- المهرجانات والتنمية: نقد الأولويات أم إقامة تعارض مبسط؟
ينتقد الكاتب تنظيم المهرجانات والتظاهرات الفولكلورية في سياق تعاني فيه المدينة من البطالة وضعف الخدمات والتجهيزات. وهو نقد مفهوم من زاوية مساءلة أولويات الإنفاق العمومي.
غير أن القراءة السوسيولوجية تقتضي عدم وضع الثقافة والتنمية في علاقة تعارض مطلق. فالمهرجانات قد تؤدي وظائف اجتماعية واقتصادية ورمزية مهمة؛ إذ يمكنها تنشيط الاقتصاد المحلي، ودعم الفنون، وتعزيز الانتماء الجماعي، وخلق فرص مؤقتة للعمل. لكنها قد تتحول أيضاً إلى أدوات للعرض السياسي أو إلى مناسبات استهلاكية محدودة الأثر، إذا لم تندرج ضمن سياسة ثقافية وتنموية مستدامة. ولهذا، فالإشكال ليس في وجود المهرجانات بحد ذاته، بل في طبيعة تمويلها وحكامتها وأثرها الفعلي ومدى ارتباطها بالحاجات المحلية.
ومن هنا يمكن صياغة سؤال نقدي أكثر إنتاجية: هل تندرج التظاهرات الثقافية في الخميسات ضمن مشروع متكامل للتنمية الثقافية والاقتصادية، أم أنها أنشطة موسمية لا تترك أثراً مؤسسياً مستداماً؟ والإجابة تستوجب فحص الميزانيات، وتقييم المستفيدين، وقياس الآثار الاقتصادية والثقافية، ومقارنتها ببدائل الإنفاق الممكنة. فالتنمية الثقافية ليست ترفاً بالضرورة، كما أن تنظيم مهرجان لا يشكل في حد ذاته دليلاً على نجاح السياسة الثقافية.
7- الانتماء المحلي: بين الشرعية الوجدانية والكفاءة التدبيرية
يؤكد الكاتب أن المسؤول الذي يمتلك ارتباطاً وجدانياً عميقاً بمدينة الخميسات سيكون أكثر قدرة على استشعار قضاياها. وهذه الفكرة تعكس قيمة الانتماء المحلي والغيرة على المجال، لكنها تثير إشكالاً سوسيولوجياً وسياسياً مهماً: هل الانتماء إلى المدينة شرط للكفاءة في تدبير شؤونها؟
إن المعرفة الميدانية بالمدينة والارتباط بسكانها يمكن أن يشكلا مورداً اجتماعياً ورمزياً مهماً، لكنهما لا يضمنان النزاهة أو الكفاءة أو حسن التدبير. كما أن شخصاً لم ينشأ في المدينة قد يمتلك خبرة تقنية ومؤسساتية وقدرة على الإصغاء والتواصل تجعله مؤهلاً لخدمتها.
والأهم أن ربط الشرعية التدبيرية بالأصل المحلي قد يؤدي، دون قصد، إلى إنتاج شكل من الانغلاق المجالي، أو إلى إعادة الاعتبار لشبكات الانتماء الشخصي التي يمكن أن تكون جزءاً من مشكلة التدبير نفسها. لذلك، ينبغي التمييز بين الانتماء بوصفه دافعاً أخلاقياً للمشاركة، والكفاءة والمحاسبة بوصفهما أساسين للشرعية المؤسساتية. فالمدينة لا تحتاج فقط إلى من يحبها، بل إلى مؤسسات تضمن أن من يتولى تدبيرها يخضع لمعايير الشفافية والمساءلة وتقييم النتائج، بصرف النظر عن أصله الجغرافي.
8- حدود الخطاب النقدي: حين يتحول سكان المدينة إلى كتلة متجانسة
على الرغم من حرص الكاتب على تجنب التعميم في بعض المواضع، فإن النص يستعمل أحياناً صورة كلية عن سكان الخميسات، باعتبارهم يعيشون الملل والانتظار وضعف القراءة والاستسلام. وهذه الصورة تحتاج إلى مساءلة منهجية.
فالمجتمع المحلي ليس كتلة واحدة، بل فضاء تتقاطع داخله فئات ومواقع اجتماعية مختلفة: شباب ونساء، عاملون وعاطلون، فاعلون جمعويون، تجار ومقاولون، مثقفون، موظفون، وفئات تعيش أوضاعاً متفاوتة من الهشاشة والاستقرار. وقد توجد داخل المدينة مبادرات ثقافية وتضامنية واقتصادية لا تظهر في خطاب الركود العام.
مفارقة الخطاب النقدي: فبينما يسعى الكاتب إلى الدفاع عن المدينة وإبراز حقها في التنمية، قد يساهم وصفها المتكرر بالفراغ والعجز والقحط في ترسيخ تمثل رمزي يجعلها تبدو بلا إمكانات أو فاعلين قادرين على التغيير.
وهو ما يستدعي الانتقال من سوسيولوجيا النقص إلى سوسيولوجيا الإمكانات؛ أي البحث، إلى جانب مظاهر التهميش، عن الموارد الاجتماعية والثقافية والاقتصادية الموجودة فعلاً، وعن الفاعلين الذين يمكنهم المساهمة في تحويلها إلى مشاريع جماعية.
9- القيمة المعرفية للمقال: بين الشهادة الوجدانية والتشخيص العلمي
من الضروري هنا التمييز بين طبيعة المقال بوصفه نصاً فكرياً احتجاجياً وبين الدراسة السوسيولوجية المبنية على البحث الميداني.
فالكاتب لا يقدم بحثاً إحصائياً ولا يدعي بالضرورة ذلك؛ إنه ينطلق من تجربة معيشة ومن إحساس جماعي مشحون بالخيبة، ليصوغ موقفاً نقدياً من واقع المدينة. وهذه الشهادة تمتلك قيمة سوسيولوجية بوصفها تعبيراً عن تمثلات اجتماعية وعن علاقة وجدانية بالمجال. لكن الانتقال من الشهادة إلى المعرفة العلمية يستوجب إخضاع الأحكام العامة للتحقق الميداني والتقصي الرصين.
10- نحو سوسيولوجيا نقدية بديلة: من المدينة المنتظِرة إلى المدينة الفاعلة
إن الإشكال الأعمق الذي يطرحه مقال حسن بوجات لا يتعلق فقط بواقع الخميسات، وإنما بكيفية الانتقال من الإحساس الجماعي بالتهميش إلى القدرة الجماعية على الفعل. فالمدينة لا تتغير بمجرد ارتفاع منسوب السخط، كما أن الوعي النقدي، على أهميته، لا يتحول تلقائياً إلى قوة اجتماعية مؤثرة.
ويحتاج التغيير إلى شروط تنظيمية ومؤسساتية تسمح بتحويل المطالب الفردية إلى مشاريع جماعية، وإلى بناء جسور بين الفاعلين الجمعويين والثقافيين والاقتصاديين والمؤسسات العمومية. ومن هذا المنظور، يمكن أن يشكل المقال منطلقاً لبرنامج بحث سوسيولوجي حول الخميسات، يتناول العلاقة بين الشباب والمؤسسات، وأنماط المشاركة السياسية، وتوزيع التجهيزات والخدمات، وأسباب الهجرة، وتصورات المدينة في المخيال الجماعي، وأشكال المبادرة والمقاومة اليومية.
كما ينبغي لهذا البحث أن يتجاوز حدود المجال الحضري الضيق، لينظر في موقع الخميسات داخل محيطها الإقليمي والجهوي، وفي العلاقة بين المدينة ومجالها القروي، وبين فرصها المحلية ومراكز الجذب الاقتصادي الأخرى. إن هذا المنظور لا ينفي مسؤولية الفاعلين المحليين، لكنه يضعها داخل شبكة أوسع من العلاقات والبنيات، ويجعل مساءلتها أكثر دقة وفاعلية.
هل الخميسات ضحية العود الأبدي أم إعادة الإنتاج الاجتماعي؟
تكمن القيمة الأساسية لمقال «نيتشه في الخميسات» في قدرته على تحويل تجربة يومية من الإحباط والانتظار إلى سؤال عمومي حول معنى العيش في مدينة تتعثر فيها، بحسب رؤية الكاتب، شروط تحقيق الذات والمشاركة والمستقبل. لقد نجح الكاتب في التعبير عن اغتراب الإنسان عن مجاله، وعن الشعور بأن الزمن الاجتماعي لا يتحرك بالوتيرة التي تسمح للأفراد بتحقيق تطلعاتهم.
غير أن القراءة السوسيولوجية النقدية تكشف أن المشكلة ليست في الزمن الذي يعيد نفسه، بل في البنيات والعلاقات والمؤسسات التي قد تعيد إنتاج التفاوت والحرمان من الفرص. فنيتشه يمنح المقال استعارة فلسفية قوية، لكن بورديو يساعدنا على مساءلة إعادة الإنتاج، ولوفيفر يتيح لنا فهم إنتاج المجال، وهيرشمان يفسر بعض استجابات المواطنين تجاه المؤسسات، بينما تفتح مقاربة أمارتيا سن المجال للتفكير في التنمية باعتبارها توسيعاً للقدرات والحريات.
ومن هنا، فإن تجاوز أزمة الخميسات، كما يصورها النص، لا يتحقق بمجرد استبدال الوجوه السياسية، ولا بمجرد الدعوة إلى الوعي أو الانتماء المحلي، وإنما يستدعي إعادة النظر في شروط إنتاج القرار العمومي، وتوزيع الموارد، وآليات المشاركة والمساءلة، والعلاقات الاجتماعية التي تحدد إمكانات الفعل الجماعي. والأهم أن سكان المدينة لا ينبغي النظر إليهم فقط بوصفهم ضحايا للانتظار أو أفراداً يفتقرون إلى الوعي، بل باعتبارهم فاعلين اجتماعيين يمتلكون تجارب ومعارف وموارد متفاوتة، يمكن أن تتحول، في ظروف مؤسساتية ملائمة، إلى قوة للتغيير.
إن السؤال السوسيولوجي الحاسم ليس: لماذا لا تتغير الخميسات؟ بل: من ينتج شروط استمرار وضعها الراهن، وكيف تتوزع المسؤوليات والموارد والقدرات بين الفاعلين، وما الذي يمنع تشكل قوة اجتماعية قادرة على تحويل المطالبة بالتغيير إلى فعل مؤسسي مستدام؟
بهذا المعنى، نجح المقال في صياغة صرخة نقدية ضد الركود، لكنه لم يفكك بما يكفي البنيات الاجتماعية والسياسية التي تنتجه، وهذه ليست نقطة ضعف أدبية بقدر ما هي المسافة المعرفية الفاصلة بين الاحتجاج الفكري والتحليل السوسيولوجي. وتظل أهم فضيلة في النص أنه يعيد طرح سؤال المدينة باعتبارها قضية عمومية مشتركة، لا مجرد مجال جغرافي للسكن أو موضوعاً للتنافس الانتخابي. فالخميسات ليست محكومة بعود أبدي لا فكاك منه؛ وما يبدو قدراً متكرراً قد يكون، في الحقيقة، نتاج علاقات اجتماعية تاريخية قابلة لإعادة البناء والتغيير.
ملاحظة منهجية:
هذه قراءة نقدية للنص وخطابه ومفاهيمه، وليست حكماً ميدانياً مستقلاً على الوضع الفعلي لمدينة الخميسات. فالاستنتاجات المتعلقة بأوضاع المدينة تحتاج إلى بيانات وبحث ميداني للتحقق منها.
👥 إدارة وتنظيم أنشطة الجمعية والتواصل الفكري
جمعية خميسآرت • دار الشباب 20 غشت • الخميسات • فضاء مفتوح لكل الطاقات والمبدعين
