الخميسات.. حياة وفق “العود الأبدي”! | بقلم: حسن بوجات
— أتصوّر أن هذه المدينة صحراء..
— ليس عليك، هنا، أن تتصور!
نيتشه في الخميسات: فلسفة “العود الأبدي” في مواجهة رتابة المكان
من المعروف أن عبارة «العود الأبدي» (l’éternel retour) تشير إلى التكرار المستمر الذي يعيشه التاريخ، وهي تُنسب إلى الفيلسوف الألماني «فريدريك نيتشه» (1844-1900)؛ وتعني فيما تعنيه أن حياة كل فرد منا، إنما هي مجرد تكرار؛ فما عشناه في الماضي، سنعيده فيما بعد أيضاً. على أن الوقوف عند هذه العبارة هو من باب التبسيط الفكري فقط، على اعتبار أنها لا تحظى بأهمية نظرية مجردة بالنسبة لنا هنا، إلا لكونها تعكس بدقة مريرة واقع الحياة في مدينة الخميسات؛ موضوع هذا النص. إن كانت فعلاً كتابة موضوع حولها أمراً سيغير شيئاً مما هو قائم، إذ قد تكون الكلمات عاجزة أمام ما يسود من عجائب وغرائب في المدينة، بحيث يصير كل وصف لما يجري هو مجرد دورة لا جدوى من ورائها.. دورة في فراغ!
«العود الأبدي في الخميسات ليس مجرد مفهوم فلسفي مجرد، بل واقع يومي معيش؛ مدينة حيث كل شيء يتكرر ويُعاد، غارقة في تكرار قاتل يفرغ الزمن من معناه!»
إنها مدينة حيث كل شيء يتكرر ويُعاد؛ مدينة غارقة، ليس في محاولات الإصلاح والتحديث والتقدم، بل في تكرار قاتل يبتلع كل بارقة أمل. ولعل الأمر يتجاوز ما يجري من أحداث — على قلتها وندرتها — ليشمل الناس أيضاً؛ إذ الأفكار والوجوه والخطابات أيضاً تتكرر دون أدنى تجديد. وليس ذلك إلا نتيجة حتمية للملل والركود الذي تغرق فيه المدينة؛ فلا يجد الإنسان ما يفعله إلا الانشغال بالآخرين وبما يفعلونه، يحشر أنفه في تفاصيل بعيدة عنه بعد السماء عن الأرض.. وما أكثر هذا النمط من الانشغال العقيم في واقعنا المحلي!
تدوير الفراغ وصناعة الانتظار: حين يصبح الزمن عبئاً
فالإنسان في هذه المدينة — دون أن يعني قولي هذا تعميماً جائراً — يكاد لا يفعل أي شيء ذي أثر! ليس لأنه عاجز أو لا يريد أن يفعل، بل لأنه لا يجد أمامه ما يُفعل أساساً؛ إنه ينتظر فقط. أمام الإدارات والمؤسسات ينتظر، وأمام دور الشباب ينتظر.. كل شيء في هندسة الفضاء والتدبير يفرض عليه قسراً أن ينتظر! وبينما هو في دوامة هذا الانتظار الطويل، يتلاشى كل شيء بالنسبة له؛ يفقد ذاته، ويستنزف ثقته في نفسه وفي محيطه.
«الإنسان هنا لا ينتظر خدمة مؤقتة، بل يفرض عليه نمط التدبير انتظاراً مزمناً يتلاشى معه الشغف وتضيع فيه الطاقات الشابة داخل فضاءات موصدة الأبواب!»
ولذلك، فإن تصريف الفراغ بطريقة بناءة في الخميسات يبدو كأنه غاية لا سبيل إليها. والشاب الزموري الذي يقصد «دار الشباب» فيجدها مغلقة الأبواب، أو يجدها مجرد جدران باردة تفتقر لأبسط التجهيزات والمؤطرين، ما الذي يُنتظر منه أن يفعل؟ لابد أنه سيفقد الثقة في كل الوجوه التي منحها صوته في وقت من الأوقات وتدعي تمثيله — وهي تجيد التمثيل فعلاً! إنها وجوه غارقة هي الأخرى في تكرار لا سبيل لأن تتحرر منه؛ ألِفت الكراسي حتى ألِفتها الكراسي، وصار المشهد العام لا يفرز إلا من عمّر في مواقع المسؤولية لسنوات طوال، وإن كان حصاد تلك السنوات هدر فرص التنمية وتأخير إقلاع المدينة واستنزاف مقدراتها.
من الركود إلى “الوعي السلبي”: في مساءلة شروط المواطنة الحقة
ونتيجة لهذا الركود المطبق، تغدو المدينة أشبه بفضاء صحراوي يشكو القحط الثقافي والرمزي، ويغرق سكانه في حالة من الركون والاستسلام للواقع، يعيشون ما يشبه “الوعي السلبي المذعن” داخل حدود جغرافية واسعة؛ ينعتون أنفسهم «بالمواطنين»، في حين تُحرم المدينة من شروط المواطنة الفاعلة التي تكفل الكرامة وتفتح آفاق المشاركة. فلا يتبقى أمامهم سوى الانتظار! فلطالما انتظروا على عتبات المؤسسات، فلمَ لا ينتظرون الآن؟ غير أن الخطر يكمن في أنهم اليوم لا ينتظرون خدمة عمومية منصفة، بل يعيشون هدر أعمارهم في انتظار لا طائل من ورائه، وهو انتظار أشد وطأة وقسوة على النفس.
«المواطنة الحقة وعي فاعل بالحقوق والواجبات؛ فمن يعجز عن تلبية أبسط متطلبات التنمية وإنقاذ شباب المدينة، لا مبرر لاستمرار الرهان عليه وتزكيته!»
إن المواطن الحقيقي هو من يمتلك وعياً نقدياً بحقوقه وواجباته؛ فمن لا يستطيع أن يمنح المدينة ما تحتاجه من مشاريع حقيقية وينتشل شبابها من الضياع، فكيف يُعقل أن يُجازى بالأصوات وتجديد الثقة؟ لكن ما الذي يمكن لأبناء المدينة أن يفعلوه وقد تملكتهم الخيبة؟ لقد تعبوا من التوجه إلى صناديق الاقتراع أملاً في إحداث الفارق، حتى تعبوا من فكرة الأمل ذاتها.. وبالتالي، أصبحت فئات عريضة تنظر إلى العملية الانتخابية برمتها على أنها ضرب من العبث وطلقة في بحر، لأنها لا تفعل في النهاية سوى إعادة إنتاج نفس الوجوه والخيارات؛ لكأن المدينة محكوم عليها بقدر نيتشوي لا فكاك منه: إعادة تدوير نفس السردية إلى ما لا نهاية!
غياب الوعي وأولويات التدبير: بين ترف المهرجانات وحاجة التنمية
في الواقع، لا ينبغي إغفال دور الوعي في كل ما يحصل؛ فالناس في المدينة نادراً ما يقبلون على القراءة أو الاهتمام بالمعرفة، حتى أن البعض لا يكلف نفسه عناء قراءة بنود فاتورة الماء والكهرباء لمعرفة حقوقه وواجباته! ولذلك يغيب الوعي بأبسط الحقوق المدنية، وحين يُجبر المواطن على الانتظار التعسفي، يقبل به دون أن يسأل: لماذا؟ وفي خضم ذلك، ينكفئ كل فرد على همومه الخاصة، بدل التفكير التضامني في المصلحة المشتركة وإصلاح الشأن العام.
«لا نحتاج إلى تظاهرات استهلاكية عابرة تجعلنا نرقص فوق جراح التهميش، بل نحتاج إلى مشاريع تنموية وثقافية صلبة تنتشل الطاقات من البطالة واليأس!»
لكن في الوقت نفسه، لا يجوز تحميل مسؤولية غياب الوعي للأفراد والمواطنين وحدهم؛ ذلك أن أولى شروط القراءة والتعلم والارتقاء الفكري هي الاستقرار المعيشي، وتوفير الفضاءات الحاضنة، وخلق مكتبات وخزانات عمومية جاذبة ومجهزة. ومادام التدبير المحلي يعجز عن بلورة خطاب تواصل رصين مع الساكنة — إلا في المواسم الانتخابية — فالأكيد أن تشييد فضاءات المطالعة ومراكز التأطير لن يكون ضمن أولوياته.
وفي المقابل، فبدل العمل الجاد على ضمان الإقلاع الاقتصادي والثقافي المطلوبين، والعناية بالفضاءات الخضراء، وتأهيل المدينة كبيئة حاضنة للإبداع، يتم الهروب إلى تنظيم مهرجانات وتظاهرات فولكلورية استهلاكية نحن في غنى تام عنها! إن شباب الخميسات في حاجة ماسة لمن يمنح الأولوية للمشاريع التنموية الكبرى التي تنقذهم من البطالة القاتلة، ومن الهجرة وقوارب الموت، ومن الانزلاق نحو اليأس؛ لا نحتاج إلى من يجعلنا نرقص فوق معاناتنا، بل إلى من يمنحنا راحة البال والأفق الكفيل بجعلنا نفتخر بمدينتنا داخل الوطن وخارجه.
«مستقبل ممكن»: استعادة صوت أبناء المدينة وكسر حلقة الركود
هكذا، فرغم الغيرة الكبيرة والألم الذي يحركنا جميعاً تجاه هذه المدينة، إلا أن هذا لا يمنعنا من ممارسة واجب النقد الصريح؛ وحتى لو كنا نجد أنفسنا في أحيان كثيرة ضحايا لهذا النقد، فإنه خيار لا مناص منه. إذ لا يمكن بأي حال أن يتحقق التغيير المنشود أو تُراجع طريقة تدبير الشأن العام دون نقد جاد ومساءلة حقيقية؛ إنه نقد خالص بغرض الإصلاح وتقديم الأفضل، وليس حباً في النقد لذاته.
«لا نطلب معجزات، بل نريد أن يُسمع صوتنا حين نرفض الركود؛ نريد أن تُمنح الثقة لأبناء الخميسات، وأن نكتب بلا كلل من أجل الأمل الممكن!»
ومن جهة أخرى، فإن كل ما تم تقديمه في هذه السطور لا يتوجه إلى شخص أو مؤسسة بعينها، بقدر ما هو صرخة وجدانية موجهة — من طرف كاتب ومبدع يختنق غيرة على تراب مدينته — إلى كل من يتحمل قسطاً من المسؤولية في تدبير شأنها، بما في ذلك المواطن الزموري نفسه على صمته الطويل أمام ما يشهده من تراجع. فالحل يبدأ بأن نتعلم كيف نتحدث بشجاعة عما يؤرقنا، وأن نرفض التفريط فيما هو حق دستوري وإنساني مكتسب لأبناء هذه المدينة؛ فهي أمانة ومِلك مشترك لنا ولأجيالنا القادمة.
لا شك أنه من حقنا التساؤل حول ما إذا كان هناك مستقبل حقيقي ينبغي أن ننتظره؛ إذ من حقنا الطبيعي أن نأمل في غد جميل، وليس من حق أي كان — عبر تدبير مرتجل أو سياسات عقيمة — أن يصادر هذا الأمل. إننا في الخميسات لا نطلب معجزات، بل نريد فقط أن يُسمع صوتنا حين نقول «لا!» بوجه كل من يستخف بانتظارات الساكنة. نريد أن يُحتفى بطاقات أبناء المدينة، وأن تُمنح لهم الثقة الكاملة في المبادرة والتدبير، وأن نضاعف فضاءات الشباب والثقافة؛ فدار الشباب التي تغلق أبوابها أو تفتقر للحياة والبرامج، هي بناية صامتة تعمق الشعور بالإحباط.
إن المدينة لا يمكن أن تبني مستقبلها بمعزل عن غيرتها وأبنائها؛ فكل مسؤول لا يملك ارتباطاً وجدانياً عميقاً بتراب الخميسات وتاريخها، لن يستشعر قضاياها وتطلعات أهلها بالشكل الذي يستشعره من نشأ في حواريها وعاش آلامها — دون أن يعني ذلك تعميماً بطبيعة الحال-. ومن منطلق عشقنا لهذه المدينة وإيماننا بإمكاناتها، فإننا نرفض القبول بالوضع القائم؛ وما هذه الكلمات إلا تأكيد على أننا لن نصمت، وسنواصل الكتابة والمرافعة الفكرية ما حيينا.. انتصاراً لخيار «المدينة الممكنة» التي نستحقها جميعاً.
بطاقة الكاتب: حسن بوجات
شاعر ومبدع وباحث من مواليد مدينة الخميسات، مهتم بالشأن الثقافي والسياسي وقضايا التنمية المجالية، صدر له ديوان شعري بعنوان «استقالة مناضل»، وعضو فاعل في المبادرات الثقافية والفكرية بإقليم الخميسات.
👥 للتواصل مع جمعية خميسآرت وإدارتها
دار الشباب 20 غشت، الخميسات — فضاء للإبداع والحوار الثقافي الحر
