في الخميسات… لا شيء يشبه الأشياء
في الخميسات
لا نبحث عن هواتف بكاميرات جيدة لأن المدينة لا تستدعي حتى صورة بآلة حاسب، يكفي الرجوع إلى الأرشيف الكولونيالي لتحصل على صورة دون تبذير المال، فالحال لم يتغير كثيراً منذ ذلك الزمن. ولا نحتاج هاتفاً بنظام حماية ولو ضعيف لأن معلوماتنا الشخصية متاحة للجميع في مدينة مكتظة بـ«الوسطاء» الذين يعلمون السر وما أخفى. كما أننا لا نسعى إلى مواكبة الموضة، مدينتنا تنتمي إلى عقليات ما قبل اكتشاف الـ ADN، حديث العرق والأصل يطغى على كل جلساتنا حتى الثقافية. نختار دائماً الهواتف التي تحتوي على بطاريات تفوق قدراتها يوماً كاملاً من الشحن، فالمدينة ارتدت تقليداً منذ سنوات اسمه: انقطاع التيار الكهربائي لمدة يوم كامل.
في الخميسات
لا نبذر أموالنا لشراء سيارة أو حتى دراجة نارية، سيعتقد أحدهم أننا نحترم البيئة، يجيبه آخري الشخصي المتفائل: قل له نعم. لكن الواقع أكبر من عاشق يريد أن يتغزل بمدينته. لو كنا نحترم البيئة حقاً لما كانت الأزقة تتزين بالأكياس البلاستيكية والنفايات السامة. لجوؤنا إلى الدراجة الهوائية حتمي لأن المدينة لم تشهد صيانة لشوارعها منذ مدة، وتفرض على قاطنيها التحرك في مجال جغرافي ضيق وسط حفر تتخللها بعض الطريق.
في الخميسات
أغلبيتنا لا نهتم بالأمور الدنيوية من أخبار وقضايا آنية، نحن متصوفة بالضرورة، زهاد في الحياة. لسنا أحفاد الحلاج أو ابن عربي أو ننتهج طريق رابعة العدوية، لكن المدينة لا توفر للساكنة أماكن ترفيه لقضاء وقت الفراغ أو للقيام بأنشطة موازية، فيبقى التأمل والزهد حلاً قسرياً. كما أن الأخبار تصلنا متأخرة بسبب ضعف صبيب الإنترنت ورداءة أجهزة الاتصال، لذلك اعتزلناها كي لا نبدو متأخرين عن الركب بالرغم من أننا كذلك. لن تكون متخلفاً إذا أغمضت عينيك عن رؤية العالم يتحرك، هذا مبدؤنا الصوفي في الحياة.
في الخميسات
فطنا مبكراً إلى السموم التي تحتوي عليها قناني العطر، فهجرناها مبكراً، هكذا نبدو متحضرين رغم أن السبب هو رائحة النفايات وبراز أحصنة العربات المجرورة التي تنتمي إلى حرب طروادة، التي تُذهب كل الروائح الأخرى بل وتجعل منها روائح هجينة أكثر نتانة من رائحة الأزبال.
في الخميسات
أول مدينة مغربية بدون دور صفيح، عندما كان العالم منغمساً في مواجهة الفيروس كانت مدينتنا الحبيبة تحاول تطهير نفسها من سكان الأكواخ ودور الصفيح والكرتون، كي تبدو في حلة أجمل. لا يهم أين ذهبت الساكنة التي اختارت الانكماش في هوامش أخرى، واستبدلت القصدير بالأكياس البلاستيكية والهواء الطلق والكرتون، المهم أن نبدو متحضرين ولو على حساب ساكنة وجدت نفسها تعيش في الوحل، هل حققت المدينة نمواً منذ طرد الفقراء؟ المهم أننا حاولنا.
على العالم أن يمنح الخميسات جائزة المدينة الإيكولوجية الأولى باعتبارها أعادت تدوير الفقراء وحررتهم من الأسمنت السام والقصدير الذي يتآكل بالصدأ وألبستهم لحاف الهواء النقي والكرتون القابل لإعادة التدوير وأسكنتهم تحت ضوء القمر كالشعراء كي يكون لديهم متسع من الوقت لكتابة معلقات جديدة من الدم كما يفعل صاحب النص.
في الخميسات
يمكن أن تشاهد مظاهرة نصرة للقضايا الوطنية والدولية ولا يمكن أن تشاهدها بسبب حق من حقوق المواطن المحلي. وهذا دليل آخر على عمق تفكير المواطن الخميسي الذي يضحي بمصلحته من أجل الإنسانية ويفكر بشكل شمولي، بعيداً عن الأنانية حتى لو كان مهضوم الحقوق خارج التاريخ والإنسانية.
في الخميسات
نترفع عن المشاركة في الانتخابات لأن نفس الوجوه تعيد تنصيب نفسها، هكذا على الأقل لا نساهم في تبذير المداد والورق والزمن العام.
في الخميسات
نؤمن بالمساواة بشكل غريب، لا فرق بين امرأة ورجل، كلاهما متساويان أمام الفقر والبطالة والجوع. وكي تتوهم العائلة العيش لابد أن يشتغل الجميع. فلا يطرح مشكل اشتغال النساء خارج البيت في مدينتنا العزيزة. كما نؤمن بالتعايش لأن أغلبيتنا يعيش خارج مدينته ليكسب لقمة عيش أسرته في ظل الغياب التام لفرص الشغل داخل المدينة، لذلك لن تجد بين جنباتها أباً يمنع ابنته من السفر خارجها للبحث عن عمل حتى لو كان محافظاً، لأن الحياة ضرورة تسبق كل الضروريات الأخرى. هكذا يعتقد الفقر أننا اخترناه بوعي.
في الخميسات
الساكنة لازالت تحترم الإجراءات الاحترازية التي اتخذتها السلطات خلال الزمن الكوروني، الاكتئاب جعلنا منذ سنوات نغلق أفواهنا، وفقدان الثقة في بعضنا أبعدنا مسافة أمان كافية كي لا ينتقل السلام.
لم يكن للحجر الصحي وقع كبير لأن المدينة محجور عليها منذ عقود. المدينة تستيقظ بعد صلاة العصر لتدخن الحشيش وتعود إلى النوم قبل أن يحل منتصف الليل. ألم أقل إن مدينتنا متصوفة؟ يعيش الشباب الزموري في عالم الميتافيزيقا مترفعين عن العالم المادي الدنيوي البسيط واللهث خلف مغريات دار البوار. هكذا تعتقد الحياة أننا خبرناها جيداً.
في الخميسات
يكاد وصم المصابين باضطرابات عقلية ونفسية يختفي، لأن المدينة مكتظة بالمجانين. لا نحتاج إلى مستشفى أمراض عقلية ولا إلى أطباء متخصصين، نحتاج فقط إلى تغيير اسم المدينة وفقاعة زجاجية تشبه تلك التي وُضعت على مدينة سبرينغفيلد في مسلسل “سيمبسون”، بعدما تحولت المدينة لمطرح المجانين الذين يضايقون جمال وهدوء المدن الأخرى.
المناعة لدى الزموريين أقوى من مناعة عدائي المسافات الطويلة، المؤسسات الصحية داخل المدينة عودتنا أن نعالج أنفسنا بالوهم، أو أن نختار الموت على اللجوء إليها بكل شجاعة. هكذا يعتقد التاريخ أن الخميسات هي مدينة الساموراي.
في الخميسات
أسسنا مدرسة جديدة في النضال. يكفي أن تأخذ صورة لطبق أكل كي تبدو “تشي غيفارا” مُيدّماً، أو تفتح مجموعة فايسبوكية تتعنتر فيها، بعيداً عن كل الأشكال النضالية التي أكل الدهر عليها وشرب. لا يهم أن تكون لك خلفية نظرية تؤطر بها خرجاتك النضالية، المهم أن يكون لديك هاتف وصبيب إنترنت والكثير من الفراغ المعرفي. هكذا يعتقد المنتظم الدولي أننا نقوم بمحاربة الهدر المدرسي.
في الخميسات
نحترم الطبيعة لدرجة أن عدد الكلاب الضالة أكثر من عدد الساكنة، وعدد قطط الشارع أكثر من أحلامنا. والجرذان تتجول خارج المجاري كأننا في معبد “كارني ماتا” بالهند. ووصلت درجة احترامنا للحيوانات أننا نترك الحرية للأحصنة التي تجر العربات في أن تزخرف الشبه شوارع بفضلاتها. ونمنح الفرصة للصراصير ليشكلوا الرأي العام.
في الخميسات
كاتب أراد يوماً أن يكتب نصاً رديئاً كعادته، لكن القلم بكى دماً حرقةً على مدينة يعشقها رغماً عن أنفه.
* عبد الجليل ولد حموية (فاعل مدني وكاتب)
«في الخميسات، نحن متصوفة بالضرورة، زهاد في الحياة.. لن تكون متخلفاً إذا أغمضت عينيك عن رؤية العالم يتحرك، هذا مبدؤنا الصوفي في الحياة!»
«على العالم أن يمنح الخميسات جائزة المدينة الإيكولوجية الأولى باعتبارها أعادت تدوير الفقراء، وأسكنتهم تحت ضوء القمر كالشعراء لكتابة معلقات جديدة من الدم!»
«نؤمن بالمساواة بشكل غريب، لا فرق بين امرأة ورجل؛ كلاهما متساويان أمام الفقر والبطالة والجوع.. هكذا يعتقد الفقر أننا اخترناه بوعي.»
«أسسنا مدرسة جديدة في النضال: يكفي أن تأخذ صورة لطبق أكل كي تبدو “تشي غيفارا” مُيدّماً، أو تفتح مجموعة فايسبوكية تتعنتر فيها بالكثير من الفراغ المعرفي!»
«كاتب أراد يوماً أن يكتب نصاً رديئاً كعادته، لكن القلم بكى دماً حرقةً على مدينة يعشقها رغماً عن أنفه!»
