«إدارة المعاني الزائدة» و«محكمة الظلال» للكاتب سعيد الشرموح (ملتقى شاركنا إبداعك 4)
«إدارة المعاني الزائدة» و«محكمة الظلال»
«لقد أمضينا وقتاً طويلاً في تنظيم المعاني، حتى نسينا أن الحياة لم تطلب منا يوماً أن نكون موظفين لديها… وحين اجتمعت الظلال للشكوى، اكتشفت أن المحكمة ذاتها بلا ظل لأنها بُنيت في العتمة!»
«إدارة المعاني الزائدة»
في إحدى المؤسسات التي لا يعرف أحد عنوانها، توجد إدارة مختصة باستقبال المعاني التي تزيد عن حاجة البشر. تصل إليها يومياً شحنات من الكلمات التي قيلت دون أن يفهمها أصحابها، وأفكار توقفت في منتصف الطريق، وأسئلة أُحيلت إلى التقاعد قبل بلوغ سن النضج. كان الموظفون هناك يصنفون الأشياء بطريقة دقيقة. يضعون الثقة الزائدة في قسم الأوهام، والحقيقة التي لا تعجب أحداً في مستودع المواد القابلة للتلف، أما الأفكار الجديدة فكانت تُرسل إلى لجنة خاصة للتأكد من أنها لا تشبه فكرة قديمة بما يكفي لإثارة الشك.
ذات صباح، وصلت شاحنة محملة بصناديق صغيرة، كُتب على كل واحد منها: «احتمالات غير قابلة للاستعمال». فتح المدير أول صندوق، فوجد سؤالاً بسيطاً: ماذا لو كان الخطأ الذي نبحث عنه في الآخرين مجرد طريقة مختلفة لفهم الأشياء؟ أغلق الصندوق بسرعة وطلب نقله إلى الأرشيف. وفي الصندوق الثاني وجد ضحكة لم تكتمل، وفي الثالث رأياً لم يجد من يصغي إليه، وفي الرابع فكرة رفضتها ثلاث لجان لأنها لم ترد أن تشبه أفكار اللجان السابقة.
استمر العمل حتى نهاية الدوام، ثم اكتشف المدير أن جميع الصناديق فارغة، باستثناء صندوق صغير لم يجرؤ أحد على فتحه. كان يحمل عبارة: «المعنى الذي لا يستطيع أحد امتلاكه وحده». حاول المدير استدعاء لجنة الخبراء، لكن اللجنة كانت قد أُغلقت منذ سنوات بسبب نقص الأسئلة، وحين استدعى الحارس لم يجد الحارس، فقد كان قد غادر للبحث عن معنى آخر لعمله.
في اليوم التالي، وجد الموظفون على مكتب المدير ورقة تحمل قراراً إدارياً غريباً: ابتداءً من الآن، تُلغى إدارة المعاني الزائدة، ويُسمح للأفكار بأن تعيش دون ترخيص، وللأسئلة بأن تبقى معلقة دون أن تُتهم بالعجز، وللإجابات بأن تتغير كلما ظهرت معرفة جديدة.
وفي أسفل القرار، وُضعت ملاحظة بخط مجهول:
«لقد أمضينا وقتاً طويلاً في تنظيم المعاني، حتى نسينا أن الحياة لم تطلب منا يوماً أن نكون موظفين لديها».
«محكمة الظلال»
في إحدى المدن، اجتمعت الظلال لتقديم شكوى ضد أصحابها. قالت ظلال الأشجار إن الناس يقطعون الأغصان ثم يشتكون من غياب الظل، وقال ظل جدار قديم إنهم يهدمون البيوت ثم يبحثون عن مكان يستريحون فيه.
أما ظل رجل طويل، فقد وقف أمام القاضي وقال: لقد أمضيت عمري أحاول أن أشبه صاحبي، وكلما اقتربت منه اتهمني بأنني أفسد صورته.
ضحك القاضي، وكان ظله أقصر منه بكثير، ثم طلب من الحاضرين تقديم الأدلة. تقدم ظل شمعة وقال: أشعلوني لأضيء الطريق، وحين انتهيت من الاحتراق سألوني لماذا لم أعد مضيئاً. وتقدم ظل شجرة محترقة، وقال: أخذوا مني أغصاني وأوراقي، ثم وقفوا أمام رمادي يتساءلون من أين جاء هذا الخراب.
ساد الصمت في القاعة، قبل أن يعلن القاضي رفع الجلسة،
فقد اكتشف أن المحكمة نفسها لا تملك ظلاً، لأنها بُنيت فوق أرض لا تصلها الشمس!
«بين إدارة تصادر المعنى الزائد ومحكمة لا تملك ظلاً.. يأخذنا الكاتب سعيد الشرموح في رحلة رمزية ساخرة تفكك بيروقراطية الأفكار، وتكشف زيف الأحكام الجاهزة حين ننسى أن الحياة لا تحتاج إلى موظفين لتنظيم دهشتها، وأن النور الحقيقي هو ما نصنعه بوعينا لا بما نحرم منه ظلالنا!»
عن الكاتب والمبدع: سعيد الشرموح
الكاتب والإعلامي سعيد الشرموح، مراسل صحفي في جريدة «النهضة الدولية»، كاتب حر، وممثل «جمعية أمل المستقبل الثقافية والاجتماعية». فاعل جمعوي وإعلامي يجمع في نصوصه بين الدقة الصحفية والعمق الفلسفي والرمزي، باحثاً في تفاصيل الوجود الإنساني وإشكاليات المعنى وسؤال الذات والمجتمع.
عن مشاركة هذين النصين في ملتقى الشباب المبدع (الدورة 4):
تندرج هاتان المشاركتان الإبداعيتان ضمن النصوص الأدبية والرمزية المختارة للعرض والنشر في الدورة الرابعة لملتقى الشباب المبدع (شاركنا إبداعك)، الذي تنظمه جمعية خميسآرت احتفاءً بالطاقات الإبداعية والفكرية الواعدة في إقليم الخميسات والجهة في مجالات السرد، الشعر، التشكيل، والفكر النقدي، تأكيداً على دور الكلمة الحرة في بناء الوعي المجتمعي والجمالي.
💬 أي الفكرتين لامست واقعك أكثر: صراعنا مع «المعاني الزائدة» التي نراكمها، أم مرآة «محكمة الظلال» التي تعكس ازدواجية سلوكنا؟ شاركنا انطباعك في التعليقات أسفله وادعم الكاتب سعيد الشرموح بمشاركة نصوصه مع أصدقائك ومحبي الأدب الفكري الهادف!
✨ منصة ملتقى الشباب المبدع — جمعية خميسآرت
للتواصل مع إدارة الملتقى أو الانخراط في أندية الجمعية الإبداعية:
