الخميسات.. عجينةٌ لم تختمر! | بقلم: الأستاذ يحيى بنشريف
— «آش بان ليك نْردّو الخميسات عجينة ونصاوبو بها شي حاجة؟»
سؤالٌ باغتني في منامٍ غريب.. فتحوّل إلى رحلة استحضارٍ كبرى لذاكرة زمور ووجع انكساراتها!
في الحُلُمِ زارني غريب، لا صورةَ له ولا ملامح، بنيانُه قويّ، وفي صوته تمازجت الخشونةُ بالليونة في نبراتٍ شتى، وسألني دون مقدمات: «آش بان ليك نْردّو الخميسات عجينة ونصاوبو بها شي حاجة؟».
راودني الإحساسُ في البداية وكأن الرجلَ يتهكم عليّ أو «كايْطْنَزْ»، لكن جديةَ صوته ونبرةَ حنانه جعلتاني أُعيدُ التفكير. تقبّلتُ الفكرةَ وقلتُ في نفسي: ولمَ لا نُجرّب؟ فما دامت الأيام قد أثقلت كاهل هذه المدينة بالركود، لعلّ في إعادة عجنها وتشكيلها مخرجاً من هذا الانسداد!
وفعلاً، شرعنا في التنفيذ؛ فأحضرنا «قَصْعَة» خشبيةً كبيرة (كصعة) تُشبه تلك التي كانت لدينا في سالف الأيام، والتي ما زلتُ مُحتفظاً بها كجزءٍ من إرثٍ تاريخي اندثر ولم يبقَ منه إلا أثر الخشب العتيق. وأحضرنا سطلين يُستعملان لجلب الماء، وكان الشرطُ الصارم أن يكون ماءً عذباً زلالاً من منبع «عين الخميس».. ذلك المنبع الذي ارتبطت به نشأة الحاضرة وشهد على أولى نبضات الحياة فيها.
سكبنا الماءَ الرقراق في القَصْعة، ووضعنا في جوفها الخميسات بكل ثقلها وناسها، ومزجنا معهما رمال «سيدي جعفر»، ذلك الوليّ الذي لا نعرف عنه اليوم إلا مكاناً التهمته كتلُ الإسمنت، وتحوّل قسراً إلى تجزئةٍ سكنية بعدما كان فضاءً أليفاً وتجمّعاً للبراريك البسيطة.
تركنا العجينَ ليختمر على مهل، ومضيتُ رفقته إلى «المعترصة» وقطفنا بعضَ الأزهار البرية، ثم عرّجنا بعد ذلك على «البيرات» لنحضر القليلَ من النعناع الزموري الفواح. تذكّرتُ اللون، فقفز إلى ذهني ملعب «لارمود» وملعب سباق الخيل «الكورس» بحي السلام؛ فاستعملنا فضلاتِ الخيول كرائحة أصيلة، مستفيدين من احتوائها على التبن والربيع النقي، وتفادينا تلك المحشوة بالأعلاف الاصطناعية «الميلونج» (Mélange).
سألني رفيقي عن الخطوة القادمة، وكان صبرُه قليلاً.. فحدّدتُ «سوق الثلاثاء القديم» كوجهةٍ تالية، ذلك الفضاء التاريخي الذي تحوّل لاحقاً إلى منتزهٍ لم يبقَ منه إلا الاسم بعد أن هجرته الحيوانات التي كانت تأويه وتملأ أرجاءه صخباً وحياة. أدركتُ أن هذه اللوحة لن تكتمل إلا بعد زيارة كل الأمكنة التي يجتمع فيها الزموريون، وأن يكون لها صوتٌ وإيقاعٌ يطرب له الوجدان؛ فتردّد في خاطري «راديو وأمان» (مذياع الماء)، وصدحت في خيالي نغمات المبدعين الخالدين: حمو اليزيد، حميد الزاهر، ميلودة طلاس، بناصر وخويا، وقدور ملال… كي يتنفس العجينُ موسيقاه الخاصة ويتحرك فيه وتر الأمل.
عُدنا إلى العجين الذي تركناه يختمر لنتفقّده.. فكانت الصدمة!
ما زالت الخميسات كما تركناها! لم ينضج العجين، بل تصلّب عودُه وتحجّر! لم نفهم كيف لمدينةٍ بدأ يأكلها الصدأ أن ترفض العجن، وترفض الذوبان في الخليط رغم نقاوة وبرودة ماء عين الخميس! اقترح الغريبُ أن نبدأ بخلط الألوان، ونُضفي عليها الصوت، ونترك المدينة لعلها تلينُ وتعجن وحدها إذا ما تدخّل الزمانُ ليقوم بفعله.
وبينما نحن نمزج الألوان، تذكّر صديقي مسرحَ المدينة الذي كان يعجّ بالعروض والفرق المسرحية وكان قبلةً للمسرحيين من شتى ربوع المملكة، وتذكّر «دار الشباب 20 غشت» التي كانت قلباً نابضاً يضخّ دماء الحيوية والتأطير في جسد المدينة، وملاعب كرة القدم وكرة اليد والطائرة بـ «المحطة»، وتألّق أبناء زمور في ألعاب القوى، وتذكّر غابة المقاومة «المرابو» التي تفقد أشجارها مع كل طرفة عين تحت وطأة الزحف العشوائي، والكنيسة التاريخية التي غُيّرت معالمها واسمها، وثانوية «موسى بن نصير» الشامخة التي تحكي جدرانُها التاريخ وتشهد على أجيالٍ ملأت قاعات الدرس علماً ونضالاً منذ سنوات خلت.
ورغم كل ذلك الاستحضار.. ما زالت الخميسات تأبى أن تُعجن! لم تختمر المدينة بعد!
تساءلتُ بحرقة: هل نستحضر تراب «لالة رحمة»، و«القبليين»، و«آيت ميمون»، و«آيت أوريبل»، وشيئاً من مياه «ضاية الرومي» لعلّ قلبها الصدئ يلين؟ ربما يُسعفنا التشكيلُ بتعدد المكونات والألوان؟
كان الغريبُ مشجعاً للفكرة.. لكنني لم أنتبه إلا في تلك اللحظة القاسية إلى أن وجهه كان قبيحاً، عيناه جاحظتان، ولونُ بشرته شاحبٌ كأنه هجر النورَ والحياة منذ أمد بعيد! كان كلامه المعسول قد أنساني الانتباه لمظهره المريب، ودفعني للتعاون معه دون تردد.
بدأ يتراجعُ ببطءٍ إلى الخلف، وأيقظت حركته تلك حنيناً جارحاً في داخلي.. بدأت الدموعُ الدافئة تنسابُ على خدّي أسفاً وحسرةً على خميساتنا التي أبت أن تختمر وتكتمل عجينتها.. ضاقت بي الحيلة، وكان مؤلماً وقاسياً أن أكون مجبراً على رؤية أبنائها ينهشون لحمها ويقتسمونها فوق موائد الغرباء…
آهٍ يا خميسات…
عصيّةٌ أنتِ علينا.. رخوةٌ عليهم!
أبناؤكِ انتصرت بطونُهم على قلوبهم، فتاهوا بين حبّ الموائد ونسيم الدخان والمشوي!
نحبكِ حتى حدود الجنون…
فيا ليت كل هذا كان مجردَ حلمٍ عابرٍ أستفيقُ منه، لينتهي هذا الكابوس!
بطاقة الكاتب: الأستاذ يحيى بنشريف
أستاذ وفاعل تربوي وثقافي من مواليد مدينة الخميسات، مهتم برصد الذاكرة الزمورية وقضايا الشأن العام المحلي، وعضو فاعل في المبادرات الثقافية والمدنية بإقليم الخميسات.
👥 للتواصل مع جمعية خميسآرت وإدارتها
دار الشباب 20 غشت، الخميسات — فضاء للإبداع والحوار الثقافي الحر
