لطيفة بنعاشير
| | | |

الخميسات ومهرجان النسخة الثانية.. حين تُطبخ الثقافة في الكواليس ويُترك المبدعون في قاعة الانتظار

مشاركة المقال:
لطيفة بنعاشير
بقلم: لطيفة بنعاشير
كاتبة وإعلامية مغربية

«الخميسات أكبر من أن تُختزل في ثلاث أمسيات غنائية، وأغنى من أن تُقدَّم باعتبارها فضاءً للاستهلاك الفني وحده؛ إنها مدينة لها أقلامها ومبدعوها، وشبابها الذي يحمل مشاريع لا ينقصها الشغف بقدر ما ينقصها الاحتضان والاعتراف!»

تستعد مدينة الخميسات، وفق ما يُتداول بشأن الاستعدادات الجارية، لتنظيم النسخة الثانية من مهرجانها أيام 5 و6 و7. ثلاثة أيام يُرتقب أن تضاء خلالها المنصات، وتتعالى الأصوات، وتُلتقط الصور التذكارية، بينما تظل أسئلة أخرى معلّقة في فضاء المدينة، تنتظر من يطرحها بجرأة، ومن يمتلك الشجاعة للإجابة عنها.

لكن، قبل أن تُفتح الستارة، ثمة سؤال يستحق أن يُطرح: أي مهرجان نريد للخميسات؟ وأي صورة نريد أن نقدمها عن مدينة تتطلع إلى التنمية، وتعيش على إيقاع أوراش الإصلاح، فيما لا يزال جزء من شبابها يبحث عن فرصة عمل، وفضاء للاحتضان، وأفق يحرره من الانتظار؟

سؤال الهوية والمشروع: أي مهرجان نريد للخميسات؟

لسنا ضد المهرجانات، ولا ضد الفرح، ولا ضد حق الساكنة في الاستمتاع بفنونها وتراثها. ولسنا في وارد محاكمة أحيدوس، ذلك الموروث الأمازيغي الأصيل الذي يشكل جزءًا من الذاكرة الجماعية للمنطقة، أو التقليل من شأن الأغنية الشعبية التي تجد مكانها في وجدان جمهورها. لكن المشكلة تبدأ حين يتحول التراث إلى سقف للطموح، وحين تُختزل الثقافة في وصفة موسمية متكررة، وكأن المدينة لا تملك من الإبداع سوى منصة ومكبرات صوت وأغانٍ اعتاد الجمهور سماعها.

الخميسات أكبر من أن تُختزل في ثلاث أمسيات غنائية، وأغنى من أن تُقدَّم باعتبارها فضاءً للاستهلاك الفني وحده.

إنها مدينة لها أقلامها ومبدعوها، وشبابها الذي يحاول شق طريقه في المسرح والسينما والتصوير والأدب والفنون التشكيلية. فيها من يكتبون بعيدًا عن الأضواء، ومن يصنعون أفلامهم بإمكانات محدودة، ومن يحملون في عقولهم مشاريع ثقافية حقيقية، لكنهم يُتركون على الهامش، وكأن الإبداع لا يعترف به إلا إذا صعد إلى خشبة الغناء!

أين توقيعات الكتب، واللقاءات المفتوحة مع الكتّاب؟ أين العروض المسرحية التي تعكس أسئلة المجتمع، والندوات الفكرية التي تناقش قضايا التنمية والذاكرة؟ أين ورشات التكوين الموجهة للشباب والأطفال، والمعارض التشكيلية التي تفتح نوافذ للتعبير البصري، وفضاءات التصوير الفوتوغرافي؟ ثم أين تكريم المبدعين من مختلف الأجيال، من المواهب الصاعدة التي تحتاج إلى فرصة أولى، إلى الرواد الذين راكموا تجارب تستحق أن تُروى وتُوثَّق؟

أليس من حق الكاتب أن يجد منصته كما يجد المغني منصته؟ وهل أصبح المبدع مطالبًا بامتلاك ميكروفون كي يُسمع، أو بجمهور صاخب كي يُعترف به؟

«المشكلة تبدأ حين يتحول التراث إلى سقف للطموح، وحين تُختزل الثقافة في وصفة موسمية متكررة، وكأن الخميسات لا تملك من الإبداع سوى منصة ومكبرات صوت!»

توسيع الأفق الثقافي: المهرجان أثر مستمر وليس مجرد مناسبة عابرة

إن المهرجان الحقيقي لا يُقاس فقط بعدد الحاضرين في الساحات، ولا بنوعية مكبرات الصوت وأضواء المسرح؛ بل يقاس بما يتركه في المدينة بعد انطفاء الأضواء.

وإذا كانت المدينة تستعد لتنظيم النسخة الثانية، فالسؤال الأساسي هو: ما هو الأثر الثقافي الذي تركته النسخة الأولى؟ وهل أحدثت تحولًا في المشهد الإبداعي بالخميسات، أم أنها مرت كغيرها من المناسبات العابرة؟

فلماذا لا تتحول ساحة المهرجان إلى فضاء تنشيطي مفتوح تتعدد فيه الأشكال التعبيرية؟ ولماذا لا تُخصص خيام للفكر والأدب، وأروقة للفن التشكيلي، ومنصات حوارية يشارك فيها أبناء المنطقة لمناقشة تحديات مدينتهم؟

إن توقيع كتاب قد يفتح أمام قارئ بابًا إلى عالم جديد، وورشة كتابة قد تكتشف موهبة شابة تحتاج إلى التوجيه، وندوة فكرية قد تزرع في نفوس الشباب الرغبة في التغيير الإيجابي. الثقافة ليست مجرد فقرة ترفيهية تُضاف في الهامش؛ إنها الروح التي تبني الإنسان، وتمنح المكان معناه الحقيقي.

«أليس من حق الكاتب أن يجد منصته كما يجد المغني منصته؟ وهل أصبح المبدع مطالبًا بامتلاك ميكروفون كي يُسمع، أو بجمهور صاخب كي يُعترف به؟»

كواليس التحضير ومنطق الإقصاء: الثقافة شأن عام وليست طبخة ضيقة

وفي خضم الحديث عن الاستعدادات الجارية، يطفو على السطح تساؤل مشروع يتداوله المتابعون للشأن الثقافي بالمدينة: كيف تُدبَّر كواليس هذا المهرجان؟ ومن يقرر في برمجته واختياراته؟

لسنا هنا بصدد توزيع صكوك الولاء، ولا التشكيك في النوايا؛ لكن الواقع يفرض مصارحة حقيقية: هل ينبني المهرجان على مقاربة تشاركية فعلية تنصت للفاعلين الجمعويين والمثقفين والإعلاميين المستقلين، أم أنه يُصنع داخل دوائر مغلقة ترسم السيناريو وتحدد الأدوار بعيدًا عن الشفافية وتكافؤ الفرص؟

فالمهرجان الذي يُحضَّر في كواليس محدودة، ويُطبخ بمنطق العلاقات الشخصية بدل الاستحقاق المهني، لا يمكن أن يعكس نبض المدينة الحقيقي. إنه يخاطر بأن يتحول إلى موعد معزول عن محيطه، يخدم أهدافًا آنية، ويُكرّس منطق الاستفراد بالقرار الثقافي.

وهنا تكمن المفارقة: مهرجان يحمل اسم الخميسات وتُموَّل فعالياته من المال العام، كيف يُعقل أن يُدار دون إشراك حقيقي لكفاءاتها الشابة؟ وكيف يُطلب من الساكنة أن تلتف حوله، إذا كانت ترى في برمجته استمرارًا لسياسة الإقصاء وتغييب الطاقات المحلية؟

إن هذه الأسئلة لا تستهدف أشخاصًا بعينهم، بل تسائل المنهجية التي يُدار بها الشأن الثقافي بالمدينة؛ منهجية تبدو في كثير من الأحيان وكأنها تفضل الحلول الجاهزة، وتخشى التعددية، وتستبعد كل من يمتلك صوتًا نقديًا أو رؤية مغايرة.

فإذا كانت التحضيرات جماعية حقًا، فلتكن المعايير معلنة، ولتفتح الأبواب لكل من يرغب في الإسهام. أما إذا استمر تدبير المهرجان بمنطق الاحتكار والغرف المغلقة، فإن النتيجة لن تكون سوى مزيد من الإحباط والنفور.

فالمدينة ليست مقهى مغلقًا، والمهرجان ليس ملكًا لفئة دون أخرى؛ إنه فضاء عمومي، والتدبير العمومي يقتضي الشفافية والمسؤولية والمحاسبة.

«الثقافة ليست غنيمة انتخابية، والجمعيات ليست ديكورًا لتأثيث المشهد، والمهرجان ليس طبقًا يُقدَّم للأصدقاء في الكواليس المغلقة.»

الشباب والتنمية: بين واقع الانتظار ورهان الاستثمار الثقافي

وبعيدًا عن كواليس التنظيم، تظل القضية الأعمق مرتبطة بالشباب أنفسهم. فالخميسات مدينة شابة، لكنها تعاني من ندرة الفضاءات الثقافية والترفيهية القارة.

إن الحديث عن الشباب لا ينبغي أن يقتصر على التغني بطاقاتهم، بل يقتضي توفير البيئة المناسبة لتفجير هذه الطاقات واستثمارها.

ليس من العدل أن نطالب الشباب بالإبداع، ونحن نغلق في وجوههم الأبواب؛ وليس من المنطقي أن ننتظر منهم الإسهام في التنمية، ومشاريعهم تُهمَّش ولا تجد الدعم الكافي.

بهذا المعنى، لا يعود المهرجان مجرد موعد للمتعة العابرة؛ بل يجب أن يتحول إلى فرصة لإعادة التفكير في السياسات الثقافية والشبابية الموجهة للمدينة بأكملها.

«الخميسات ليست مجرد فضاء لإقامة المناسبات؛ إنها حياة يومية وتطلعات مؤجلة.. والشباب يحتاج إلى أكثر من دعوة للحضور، يحتاج إلى فرص حقيقية للمشاركة.»

الشفافية والحق في النقد: نحو ميثاق ثقافي يصنع المستقبل

وإذا كان المهرجان يحمل اسم مدينة بأكملها، فمن حق أبنائها أن يسائلوا القائمين عليه: كم رُصد له من الميزانيات؟ وكيف ستُصرف؟ وما هي القيمة المضافة التي ستعود بها هذه التظاهرة على الخميسات؟

إن المطالبة بالشفافية لا تعني الحكم مسبقًا بالفشل، بل هي شرط أساسي للنجاح والاستمرارية؛ فالأموال التي تُصرف هي أموال عمومية، والمواطن من حقه أن يعرف كيف تُدار موارده.

لسنا في حاجة إلى الاختيار بين الفرح والمسؤولية؛ يمكننا أن نحتفل ونفرح، لكن بوعي ومسؤولية ووضوح، وبتكافؤ فرص يضمن مشاركة الجميع.

خاتمة: أفق الأمل.. رهان المدينة لا المنصة

يا سادة، لا نطالب بإسكات أحيدوس، بل نطالب بألا يُسكت ما عداه. لا ندعو إلى إقصاء الأغنية الشعبية، بل إلى أن تتسع المنصة لكل الأصوات التي تشكل هوية المدينة ومستقبلها. ولا نعارض المهرجان، بل نرفض أن يصبح تكرارًا موسميًا لا يترك وراءه سوى الصور والذكريات العابرة.

نريد مهرجانًا يوقّع فيه الكاتب كتابه، ويعرض فيه الشاب فيلمه، وتُكرَّم فيه المبدعة التي شقت طريقها رغم الصعوبات، ويجد فيه الفنان المحلي اعترافًا بتجربته، ويحظى فيه الرواد بالتقدير، وتتاح فيه للأطفال والشباب فرص اكتشاف مواهبهم. نريد ثقافة لا تسأل المبدع عن موقعه من الحسابات المحلية، بل عن قيمة ما يقدمه؛ ثقافة لا تقيس الاستحقاق بالقرب من مراكز القرار، بل بما يضيفه الإنسان إلى مدينته.

قد تنجح المنصة في جمع الآلاف، وقد تحقق السهرات صدى واسعًا، لكن النجاح الأعمق هو أن يشعر أبناء المدينة بأن الثقافة ليست امتيازًا لفئة محددة، بل حق مشترك ومساحة مفتوحة للجميع.

لا نريد مهرجانًا يرقص فيه الجميع ثلاثة أيام، ثم يعود كل واحد إلى وحدته في اليوم الرابع. نريد مهرجانًا يترك كتابًا في يد طفل، واعترافًا في قلب مبدع، وفكرة في عقل شاب، وأملًا في مدينة سئمت الانتظار.

فالمدن لا تكبر بارتفاع المنصات، ولا تُقاس حيويتها بعلو مكبرات الصوت؛ إنها تكبر حين تتسع المساحات التي تمنحها لأبنائها، وحين تصبح الثقافة حقًا للجميع، لا غنيمة يتقاسمها البعض خلف الستار.

ولعل السؤال الذي ينبغي أن يظل مفتوحًا، ونحن نقترب من موعد النسخة الثانية، ليس فقط: من سيصعد إلى المنصة؟ بل: من سيجد مكانه خارجها، ومن سيضمن أن تبقى أبواب الثقافة مفتوحة بعد أن تنطفئ الأضواء؟

ذلك هو الرهان الحقيقي لمهرجان الخميسات: أن يحتفل بالمدينة، لا أن يحتفل بها نيابةً عن أبنائها.

* لطيفة بنعاشير (كاتبة وإعلامية مغربية)

«لا نريد مهرجانًا يرقص فيه الجميع ثلاثة أيام ثم يعود كل واحد إلى وحدته.. نريد مهرجانًا يترك كتابًا في يد طفل، واعترافًا في قلب مبدع، وأملًا في مدينة سئمت الانتظار!»

تنويه: المقال يعبر عن رأي صاحبته ولا يعبر بالضرورة عن رأي أو توجه منصة جمعية خميسآرت.

موضوعات ذات صلة