الخميسات.. من واقع التهميش المرير إلى أفق “المدينة الممكنة”
عزلة تنموية وتهميش مزدوج على مشارف العاصمة
إن المعاناة اليومية لساكنة الخميسات تتجاوز مجرد حفرة في طريق أو نقص في طبيب؛ إنها أزمة مركبة وهيكلية تداخل فيها الإهمال التدبيري مع غياب الإرادة السياسية الحقيقية لتحويل هذه المدينة إلى قطب اقتصادي مستفيد من قربه من محور الرباط-البيضاء. إن هذا التوصيف يختزل بدقة مرارة واقع طال أمده، حيث تحولت عاصمة إقليم زمور إلى جزيرة معزولة تنموياً على الرغم من تماسها الجغرافي القريب مع مركز القرار السياسي والاقتصادي للمملكة.
فالمسافة القصيرة التي تفصل الخميسات عن العاصمة الرباط لم تشفع لها في نيل نصيب عادل من ثمار الإقلاع الاقتصادي الذي تشهده المناطق المجاورة، بل جعلتها في المقابل تعيش تحت وطأة تهميش مزدوج يمتص طاقاتها الشابة ويدفع بها نحو الهجرة القسرية أو الاستسلام لركود تجاري واجتماعي خانق. وتتجلى هذه الأزمة البنيوية في تفاصيل العيش اليومي للمواطن الزموري-الخميسي الذي يواجه حزمة من العوائق المترابطة، بدءاً من شبكة طرقية داخلية متهالكة تفضح عيوبها أولى قطرات الغيث وتحول الأحياء إلى مستنقعات معزولة، ومروراً بقطاع صحي منهار عاجز عن تقديم الخدمات الطبية الأساسية ويتحول في غالب الأحيان إلى مجرد محطة لتوجيه الحالات المستعصية نحو مستشفيات العاصمة، وصولاً إلى إعدام شامل للفضاءات الخضراء والمتنفسات الترفيهية والثقافية التي من شأنها حماية الشباب من الانحراف وتوفير بيئة عيش كريمة للأسر.
«المسافة القصيرة التي تفصل الخميسات عن العاصمة لم تشفع لها في نيل نصيب عادل من ثمار الإقلاع الاقتصادي، بل جعلتها تعيش تحت وطأة تهميش مزدوج يمتص طاقاتها الشابة ويدفع بها نحو الهجرة أو الركود.»
إن استمرار هذا الوضع لسنوات طويلة يؤكد بالملموس أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في ندرة المؤهلات الطبيعية أو البشرية للإقليم، وإنما في عقم المقاربات التدبيرية التي اعتمدتها المجالس المنتخبة المتعاقبة، والتي ظلت حبيسة صراعات سياسوية ضيقة وحسابات انتخابية عابرة تفتقر إلى بعد النظر والرؤية الإستراتيجية الشاملة.
عقم الحلول الترقيعية وعمليات الماكياج الموسمي
ومن هذا المنطلق، فإن أي محاولة لإنقاذ المدينة وتغيير واقعها المرير تتطلب حتماً تجاوز الحلول الترقيعية وعمليات الماكياج الحضري الموسمية التي لا تتعدى تزفيت بعض الشوارع الرئيسية أو صباغة الأرصفة قبيل المناسبات الرسمية دون ملامسة جوهر المشاكل. إن هذه المسكنات المؤقتة لم تعد تنطلي على الساكنة المحلية ولم تعد قادرة على إخفاء عمق الشرخ التنموي، بل إنها تزيد من هدر الزمن التنموي والميزانيات العمومية في مشاريع سرعان ما تظهر عيوبها التقنية مع مرور الوقت.
«المسكنات المؤقتة والماكياج الحضري الموسمي لم تعد تنطلي على الساكنة؛ فهي تزيد من هدر الزمن التنموي والميزانيات العمومية في مشاريع سرعان ما تظهر عيوبها.»
التجفيف الممنهج للشريان الثقافي والفكري
وينضاف إلى هذا التدهور المادي والبنيوي مظهراً آخر لا يقل قتامة وخطورة، يتجلى في التهميش الممنهج للمجال الثقافي والفني، والغياب الشبه تام للورشات التوعوية والتحسيسية التي تشكل عادة عصب الوعي الجماعي في الحواضر الحية. فمدينة الخميسات، التي تزخر برصيد تاريخي وتراثي غني يعكس أصالة منطقة زمور، باتت تعيش اليوم حالة من الموت السريري على المستوى الإبداعي والفكري بسبب انعدام المنشآت الحاضنة للفعل الثقافي؛ حيث أغلقت قاعات السينما التاريخية أبوابها وتحولت إلى أطلال، وظلت دور الشباب والمراكز الثقافية القليلة تفتقر للدعم اللوجستيكي والتأطير الفعلي، مما جعلها عاجزة عن استيعاب طاقات ومواهب بناتها وأبنائها.
هذا الفراغ المهول انعكس سلباً على الجمعيات المدنية والمجموعات الفنية المحلية التي وجدت نفسها تحارب في غياب أي تشجيع أو تمويل عمومي، ومحرومة من الفضاءات العمومية المؤهلة لتنظيم معارض تشكيلية، أو عروض مسرحية، أو ندوات فكرية، أو حتى ورشات تحسيسية وتوعوية تستهدف حماية الناشئة من آفتي المخدرات والانحراف، وتزرع فيهم قيم المواطنة والابتكار. إن إعدام الشريان الثقافي والفكري في المدينة لم يؤد فقط إلى إقصاء الفنانين والمثقفين وتيئيسهم، بل ساهم بشكل مباشر في تعميق أزمة الهوية والركود القيمي لدى فئات واسعة من الشباب، الذين وجدوا أنهم أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الاستسلام لروتين المقاهي القاتل الذي يبتلع طاقاتهم، أو الهجرة بحثاً عن حواضر تحترم إنسانيتهم وتتيح لهم هوامش للتعبير والإبداع، مما يفرض إدراج المحور الثقافي والتوعوي كركيزة أساسية لا محيد عنها في أي مخطط تنموي مستقبلي يروم إنقاذ المدينة وإعادة الروح إلى فضائها العام.
«إعدام الشريان الثقافي والفكري لم يؤد فقط إلى إقصاء الفنانين والمثقفين، بل ساهم بشكل مباشر في تعميق أزمة الهوية والركود القيمي، واضعاً الشباب بين روتين المقاهي القاتل أو الهجرة.»
أفق “المدينة الممكنة”: مخطط استثنائي وجاذبية استثمارية
بناءً على ذلك، يصبح التوجه الفوري نحو تبني مخطط تنموي استثنائي هو المخرج الحقيقي والوحيد القادر على كسر طوق التهميش المفروض على الخميسات. إن هذا المخطط المأمول يجب أن ينبثق من إرادة مركزية حازمة تعيد هيكلة البنية التحتية للمدينة من الصفر، عبر تحديث جذري لشبكات التطهير السائل وتصريف مياه الأمطار، وتأهيل الأحياء الهامشية وتجهيزها بالمرافق الحيوية اللازمة. ولا يمكن لهذا التأهيل الحضري أن يحقق غاياته دون التوازي مع خلق دينامية استثمارية حقيقية تتجاوز الوعود الشفوية لتترجم على أرض الواقع من خلال تهيئة منطقة صناعية واقتصادية حقيقية ذات جاذبية عالية، قادرة على استقطاب الرساميل والمعامل والوحدات الإنتاجية الكبرى.
إن بلوغ نموذج “المدينة الممكنة” بالخميسات ليس مجرد طموح نظري، بل هو خيار تدبيري قابل للتحقق إذا ما تضافرت جهود المؤسسات المركزية والمجالس المنتخبة والمجتمع المدني، ضمن رؤية موحدة تعيد صياغة مستقبل المدينة وتصالحها مع محيطها التنموي الوطني.
«بلوغ نموذج “المدينة الممكنة” بالخميسات ليس مجرد طموح نظري، بل هو خيار تدبيري قابل للتحقق إذا تضافرت جهود المؤسسات والمجالس المنتخبة والمجتمع المدني.»
يتطلب تحويل مدينة الخميسات من واقع التحديات البنيوية الراهنة إلى أفق المدينة الممكنة الانتقال الفوري من المقاربات الترقيعية المجزأة إلى مخطط تنموي مندمج ومستدام يعيد صياغة الهوية الاقتصادية والحضرية والاجتماعية والثقافية لعاصمة زمور. ويرتكز هذا التحول الاستراتيجي بالدرجة الأولى على إحداث تحول اقتصادي حقيقي يستغل القرب الجغرافي من محور الرباط-البيضاء، عبر تقديم تحفيزات ضريبية وعقارية استثنائية قادرة على استقطاب الرساميل والشركات الكبرى، مع الإسراع في تهيئة منطقة أنشطة اقتصادية وصناعية حديثة تركز على الصناعات التحويلية الفلاحية والخدمات الرقمية لاستيعاب الكفاءات وحاملي الشهادات من أبناء المنطقة، وتنزيل برامج مهيكلة لتنظيم التجارة المحلية وإنشاء أسواق نموذجية تدمج القطاع غير المهيكل وتنعش القوة الشرائية والرواج التجاري بالمدينة.
تأهيل حضري مندمج وإنعاش للشريان الاجتماعي والإنساني
ويتكامل هذا الإقلاع الاقتصادي مع ضرورة إطلاق تأهيل حضري مستدام يعيد هندسة المسالك الحضرية ويحدث البنية التحتية من الصفر، من خلال تجديد شامل لشبكات التطهير السائل وقنوات تصريف مياه الأمطار لمنع الفيضانات الموسمية وحماية المنشآت، وتعبيد الطرق بالأحياء الهامشية والمستجدة بمواصفات تقنية عالية الجودة، مع تعميم الإنارة العمومية الذكية لتعزيز الأمن وتوفير الطاقة، بالإضافة إلى وضع حد للزحف الإسمنتي عبر مراجعة وثائق التعمير وتصميم التهيئة، بما يسمح بإعادة الاعتبار للمتنفسات الطبيعية مثل منتزه ثلاثة مارس وغابة المقاومة وتحويلهما إلى فضاءات ترفيهية عصرية تليق بالأسر.
وعلى المستوى الاجتماعي، يقتضي بناء المدينة الممكنة الارتقاء الفوري بالخدمات الأساسية وفي مقدمتها القطاع الصحي، عبر ضخ استثمارات نوعية لتحديث المستشفى الإقليمي وتزويده بالتجهيزات الطبية الحيوية الدقيقة، مع إبرام شراكات مؤسساتية لسد الخصاص المهول في الأطر الطبية والتمريضية والحد من النزيف اليومي لتنقل المرضى نحو مستشفيات العاصمة، بالتوازي مع إرساء منظومة نقل حضري متكاملة وحديثة تسهل حركية المواطنين واليد العاملة وتصون كرامتهم.
ولأن الإنسان هو محور كل تنمية، فإن هذا المخطط الاستثنائي لا يمكن أن يكتمل دون إحياء الشريان الثقافي والتربوي للمدينة، عبر إنشاء فضاءات حاضنة للإبداع كالمراكز الثقافية ودعم إعادة فتح المنشآت الفنية والسينمائية المهجورة، وتوفير ملاعب القرب المجهزة للشباب، مع مأسسة الورشات التوعوية والتحسيسية بالشراكة مع فعاليات المجتمع المدني لتأطير الناشئة في مجالات الابتكار والوعي القيمي والتوجيه المهني، فضلاً عن استثمار الموروث الثقافي والتاريخي الفريد لمنطقة زمور وتحويله إلى رافعة للسياحة الثقافية والصناعات الإبداعية.
«لا يمكن لهذا المخطط الاستثنائي أن يكتمل دون إحياء الشريان الثقافي والتربوي، واستثمار الموروث الحضاري لمنطقة زمور كرافعة حقيقية للسياحة الثقافية والصناعات الإبداعية.»
