قصة «بائعة المالبورو» للمبدعة هبة الوالي — الفائزة بمسابقة القصة القصيرة (دورة المرحومة ابتسام الحمري)
«في ركن من أركان المحطة القديمة، حيث تلتقي حكايات الغرباء وتتلاشى الآمال بين عوادم الحافلات، كانت تجلس حاملة كرتونها الصغير، لا تبيع التبغ فحسب، بل تحفظ أسرار المارة ووجع مدينة لا تنام… نص قصصي مفعم بالحس الإنساني والصدق التعبيري الصامت.»
في ركن المحطة القديمة، حيث تختلط روائح الشاي بالنعناع بعوادم الحافلات، كنت أقف. البرد يلسع أصابعي المتيبسة، وأنا أضم علبة “المالبورو” إلى صدري كأنها كنز، أو ربما كأنها خطيئتي الوحيدة. كنت أبيع السجائر، حبة حبة، لأشتري حبة حبة من الكرامة في مدينة لا ترحم من يسقط أرضاً.
مع الفجر، قبل أن تبدأ المدينة في صراخها اليومي، أخرج من البيت، أحمل كيسًا صغيرًا، وأمشي في الشوارع التي اعتادت أن تضحك علي بالأمس. الهواء يحمل رائحة الخبز الطازج من الفرن المجاور، ونسيم الصباح يخترق صدري كرسالة تقول: “استمري”.
أجلس في الركن الذي صار عالمي الخاص، حيث لا يختلط ضجيج المدينة بصمتي، وحيث أستطيع أن أكون بلا أقنعة، بلا تزييف. أمامي قطعة “كرتون” صغيرة، تحتوي على سجائر وعلك. أرتبها بعناية، كل واحدة في مكانها، كأنها ذكريات صغيرة؛ بعضها موجع، وبعضها مطمئن. ثم أرتدي وجهي الصامت، الوجه الذي لا يعرف الخوف من الكلمات، ولا من العيون التي تحاول قياس صمودي بلا لمس.
الناس يمرون من أمامي، بعضهم بعطف، وبعضهم بازدراء: “مسكينة الزمان دار بها”، يقولون أحياناً. ويقول آخرون: “هادي طايحة، خلوها تستاهل”.
لا يعلمون أني أتعلم في الليل، أقرأ وأكتب، أصنع من “كناشي” الصغير حصناً ضد القسوة، من خلال الكلمات التي أسمعها، التي تجرح وتُعلّم في الوقت ذاته. أكتب عن كل فتاة تعبر المحطة، تحمل كيسها في اليد وترتعد قبل أن ترى الطريق، عن كل امرأة تبحث عن لقمة شريفة، فتجد العيون تأكلها قبل أن تصل إلى الخبز. أكتب عن الرجال الذين يمرون بصمت، وعن الأطفال الذين يضحكون رغم الجوع، وعن المسنين الذين ينظرون بعينين تحملان ألف قصة لم تُحكَ. أكتب عن نفسي، عن كل ما لا يراه أحد، عن كل ما يختبئ بين الظل والضوء.
في يوم من الأيام، جاء شرطي وقال لي: “أ شريفة هَاذ البْلاَصَة مَمْنُوعَة”. ابتسمت له ابتسامة صغيرة، ليس لأن الموقف مضحك، ولكن لأنني ألفت الخوف حتى أصبح صديقي القديم. ثم جاء رجل آخر، اقترب مني وهمس: “إِذَا بْغِيتِي تَبْقَايْ هَنَا خَاصَّكْ تَدْفَعِي التَّمَنْ”. ضحكت، ضحكة نصفها مرارة، ونصفها صمود، وقلت في نفسي: “الثمن؟ أنا أدفعه كل يوم، من صمتي، من صبري، من عزة نفسي التي لم تنكسر بعد”.
لكن اليوم، حدث شيء مختلف تماماً. مر شاب أنيق، ينظر إلى كارتوني الصغير، لكنه لم يطلب سيجارة كبقية المارة، بل أخرج ورقة صغيرة ودسّها بين علب السجائر ومضى مسرعاً. فتحت الورقة بفضول وخوف، لأجد كلمات خطت بعناية: “لستِ وحدكِ، هناك من يقرأكِ، هناك من يرى جمال روحكِ وراء الدخان. استمري، فالغد يخبئ لكِ حياة تليق بكِ”.
تلك الكلمات البسيطة كانت كشعاع نور اخترق عتمة الركن البارد. احتفظت بالورقة داخل “كناشي”، وضعتها بين الصفحات كوردة مجففة تحمي ذكرياتها من الذبول. أحسست لأول مرة منذ شهور طويلة أن صمتي لم يكن هباءً، وأن في هذا العالم القاسي قلوباً لا تزال تنبض بالإنسانية وتشعر بوجع الآخرين.
أمي تظن أني أعمل في مقهى، لا أريد أن أحطم صورتها عني. أتركها تعتقد أنني بخير، بينما قلبي لا يزال يحلم بحرية لم أمتلكها بعد. أنا لست بخير، لكن قلبي ما زال حراً، لم يُبَع بعد.
في الغروب، أترك قطعة “الكرتون” الصغيرة، وأشعر بنسيم المساء يمر على وجهي، يحمل معه رائحة الخبز والدخان والمدينة كلها. أغلق عيني للحظة، وأتساءل: هل سأبقى هنا غداً، أم سأجد نفسي في مكان آخر، أكتب قصصاً أخرى، أرى وجوهاً جديدة، وأتعلم أن الصمود لا يختبئ وراء الكلمات فقط، بل في كل نفس تتنفسه، في كل نظرة نوجهها إلى العالم، حتى وإن حاول العالم كله أن يجعلنا صامتين…
ربما يوماً ما، سيفهم الناس، ربما سيقرأون قصتي كاملة، وربما يدركون أن بائعة السجائر لم تكن مجرد فتاة فقيرة في محطة قديمة، بل كانت رمزاً للصمود الصامت، وللطهارة التي لا تُرى، وللأمل الذي لا يُباع.
أنا، بائعة السجائر، أحتفظ بقصصي، وأحميها بين الدخان والضوء والظل. وأعلم أن كل يوم يمر، يحمل معه فرصة جديدة لتكتب الحياة نفسها على الجدران، على الأرض، في الهواء، وفي قلوب من يمرون بلا أن يروها. وفي اللحظة الأخيرة، قبل أن أغادر، ألتفت إلى الركن الذي صار عالمي، وأرى دخان سيجارتي يذوب بين الضوء، كأنه رسالة صغيرة تقول: “الغد ليس بعيداً، والحياة أكبر من كل صمت”.
«أنا، بائعة السجائر، أحتفظ بقصصي، وأحميها بين الدخان والضوء والظل… وأعلم أن كل يوم يمر، يحمل فرصة جديدة لتكتب الحياة نفسها على الجدران، على الأرض، وفي الهواء… والغد ليس بعيداً، والحياة أكبر من كل صمت!»
عن تتويج هذا النص في ملتقى لاعبين (الدورة 5 — دورة المرحومة ابتسام الحمري):
حاز هذا العمل القصصي على الجائزة الأولى لمسابقة القصة القصيرة ضمن فعاليات ملتقى لاعبين (النسخة الخامسة)، دورة المرحومة ابتسام الحمري، المنظم من طرف جمعية خميسآرت بشراكة وتنسيق مع الفعاليات الثقافية بدار الشباب 20 غشت بالخميسات.
ويهدف الملتقى إلى إبراز وصقل الطاقات الواعدة لأبناء وبنات إقليم زمور، وتوفير منصة حرة ومحفزة للتعبير الأدبي والفني والمسرحي، والاحتفاء بالأقلام الشابة الصاعدة.
✨ منصة إبداعات خميسآرت — جمعية خميسآرت
💬 هل لامست قصة «بائعة المالبورو» مشاعرك؟ شاركنا انطباعك في التعليقات أسفله وادعم المبدعة هبة الوالي بمشاركة القصة مع أصدقائك ومحبي الأدب والإبداع الشبابي!
