علمنة القراءة: هل نقرأ لنفهم أم لنؤكد قناعاتنا؟
«سُئل أمبرتو إيكو: هل يمكن للكتابة أن تغير؟ فأجاب: “لا يمكن للكتابة أن تغير الحاضر، بل تغير المستقبل”. ولعل ما يستحق الإضافة أن الكتابة تتجاوز تغيير واقع القارئ إلى واقع الكاتب أيضاً.»
أمبرتو إيكو وسؤال الكتابة: هل نغير الحاضر أم المستقبل؟
سُئل أمبرتو إيكو: هل يمكن للكتابة أن تغير؟ فأجاب: “لا يمكن للكتابة أن تغير الحاضر، بل تغير المستقبل”. ولعل ما يستحق الإضافة أن الكتابة تتجاوز تغيير واقع القارئ إلى واقع الكاتب أيضاً. فالكتابة مشاركة للأفكار، والفكرة بذرة تبحث عن بيئة مناسبة لتنبت فيها. إنها عملية من النثر والوعي والإنبات؛ محاولة لإخراج ما يسكن الذهن إلى فضاء أوسع، حيث يصبح قابلاً للنقاش والاختلاف وإعادة التفكير.
«لا يمكن للكتابة أن تغير الحاضر، بل تغير المستقبل… فالكتابة مشاركة للأفكار، والفكرة بذرة تبحث عن بيئة مناسبة لتنبت فيها.»
لكن هل يمكن للكتابة أن تغيّر شيئاً في مجتمع لا يقرأ؟ وحتى حين نلتفت إلى ما يُقرأ، نجد أن جزءاً كبيراً من المقروء يظل بعيداً عن مساءلة الواقع؛ فهناك من يبحث عن أدب سهل لا يستفز قناعاته، ومن لا يقرأ إلا ما ينسجم مع تصوراته المسبقة، وكأن القراءة عنده وسيلة لتأكيد ما يعرفه، لا لاكتشاف ما يجهله.
مفهوم “علمنة القراءة”: تحرير الفهم من سلطة الأحكام المسبقة
من هنا نقترح مفهوماً نسميه “علمنة القراءة”. والمقصود به ليس إقصاء المرجعيات الدينية أو الأيديولوجية من وعي القارئ، فهذا أمر متعذر، وإنما تحرير فعل القراءة من سلطة الأحكام المسبقة، ومن الاعتقاد بأن مرجعياتنا هي المعيار الوحيد الذي ينبغي أن يُحاكم النص على أساسه. أن نقرأ دون أن نجعل قناعاتنا محكمة نهائية، وأن نسمح للنص بأن يربكنا، وأن يضع أفكارنا موضع مساءلة. فالقراءة الحرة هي التي تمنحنا شجاعة احتمال الخطأ.
«المقصود بعلمنة القراءة تحرير فعل القراءة من سلطة الأحكام المسبقة.. أن نقرأ دون أن نجعل قناعاتنا محكمة نهائية، وأن نسمح للنص بأن يربكنا ويضع أفكارنا موضع مساءلة.»
وإذا كانت القراءة تحتاج إلى هذه الحرية، فماذا عن الكتابة؟ هل نملك الحق في الكتابة عن كل شيء؟ ومتى يمكن للكتابة أن تغيّر؟ في تقديرنا، تتصل فاعلية الكتابة بمدى ارتباطها بالحرية؛ فنحن نحتاج إلى حرية تتيح لنا الكتابة عن الحرية، وإلى شجاعة تسمح لنا بالاقتراب من المسكوت عنه، ومساءلة ما اعتاد المجتمع اعتباره حقيقة لا تقبل النقاش. فالكتابة التي تخشى الاصطدام بالواقع قد تنتهي إلى إعادة إنتاجه.
جوزيف كونراد وسلطة الكلمة: أن نجعل القارئ يرى ويشعر
يتوقف الروائي البولندي جوزيف كونراد (1857-1924)، في روايته «اللورد جيم»، عند سلطة الكلمة المكتوبة، حين يحدد مهمته في أن يجعل القارئ، من خلال الكتابة، يسمع ويشعر، وقبل هذا وذاك، يرى. فالكتابة ليست مجرد نقل للأحداث أو وصف للعالم، لكنها محاولة لإعادة تشكيل صورته في وعي الآخرين. وقد تحفر الكلمة مجرى جديداً في المشهد العام، حتى وإن لم يظهر أثرها في اللحظة التي كُتبت فيها.
«الكتابة ليست مجرد نقل للأحداث أو وصف للعالم، لكنها محاولة لإعادة تشكيل صورته في وعي الآخرين، وجعل القارئ يسمع ويشعر ويرى.»
إن حكي العالم ووصفه يمثلان شكلاً من أشكال الإسهام في تحوله. وكتابة الرواية، على وجه الخصوص، ممارسة لمساءلة مجتمعاتنا، بما تحمله من تناقضات واختلالات، وبما يعتريها من اضطراب وفقدان للتوازن. فالحكي ليس فعلاً بريئاً دائماً؛ إذ إن اختيار ما نحكيه، وكيف نحكيه، وما نكشفه أو نخفيه، قد يكون في حد ذاته موقفاً من العالم.
الرواية ومساءلة المجتمع وتفكيك البداهات
قد لا تُسقط الرواية نظاماً، وقد لا تحل أزمة اقتصادية، لكنها تملك قدرة فريدة على تفكيك البداهات، وتعرية الزيف، وخلخلة القناعات الجاهزة. إنها تجعل القارئ ينظر إلى واقعه بعين مختلفة، وربما هذا هو التغيير الحقيقي الذي يمكن للأدب أن يصنعه: أن يمنحنا منظوراً جديداً نرى من خلاله ما اعتدنا أن نمر به دون انتباه.
فالرواية تمنح صوتاً لمن لا صوت لهم، وتفتح نوافذ للتأمل في التجارب الإنسانية المهمشة. وهي بهذا المعنى ليست ترفاً فكرياً أو هروباً من الواقع، بل هي مواجهة معه، ولكن بأدوات الفن والجمال. إنها تضعنا وجهاً لوجه أمام أسئلتنا الوجودية والأخلاقية، وتدعونا لأن نكون أكثر تعاطفاً وأكثر فهماً للآخر المختلف عنا.
«الرواية تمنح صوتاً لمن لا صوت لهم، وتفتح نوافذ للتأمل في التجارب الإنسانية المهمشة؛ إنها مواجهة مع الواقع بأدوات الفن والجمال.»
أفق المعنى: الكلمة الحرة حصن ضد الركود
في النهاية، تظل الكتابة والقراءة وجهين لعملة واحدة: فعل مقاومة ضد النسيان والابتذال والسطحية. وحين نقرأ بوعي منفتح ومتحرر، وحين نكتب بجرأة وإخلاص، فإننا لا نكتفي بفهم العالم، بل نسهم، ولو بخطوة صغيرة، في جعل مستقبله أكثر رحابة وإنسانية.
إن الرهان الحقيقي اليوم ليس فقط في وفرة ما يُكتب أو يُنشر، بل في نوعية الأثر الذي يتركه المكتوب في وجدان المتلقي. فالمجتمعات التي تزدهر هي تلك التي تمنح الفكر مساحته الكاملة للتجريب والمساءلة، وتدرك أن الكلمة الحرة هي الحصن الأول ضد كل أشكال الركود والانغلاق.
«الرهان الحقيقي اليوم ليس في وفرة ما يُكتب أو يُنشر، بل في نوعية الأثر الذي يتركه المكتوب في وجدان المتلقي وبناء مجتمعات تزدهر بالحرية والمساءلة.»
