الكاتب والباحث سفيان المعروفي رئيس جمعية خميسآرت
| | | | | |

اقتصاد الولاء: حين يصبح المجتمع المدني جزءاً من هندسة النفوذ

مشاركة المقال:
سفيان المعروفي
بقلم: سفيان المعروفي
رئيس جمعية خميسآرت • طالب باحث في سلك الدكتوراه أداب وفنون وكاتب مغربي

ليس أخطر أشكال الريع ذاك الذي يُمنح في صورة مال أو امتياز مادي، بل ذاك الذي يتخفّى في هيئة فرصة، أو اعتراف، أو دعوة متكررة، أو موقع داخل المشهد العام. فهناك أشكال من الريع لا تحتاج إلى خزائن مفتوحة، لأنها تشتغل على توزيع الحضور والغياب، وعلى تحديد من يُمنح حق الكلام ومن يظل خارج دائرة الاعتراف. وعندما تصبح الفرصة الثقافية امتيازاً يتكرر لدى الأسماء نفسها، فإن السؤال لا يعود متعلقاً بنجاح هذه الجمعية أو أحقية تلك، بل بطبيعة الآليات التي تجعل بعض الفاعلين حاضرين باستمرار، وتجعل آخرين مجرد شهود على مشهد لا يُتاح لهم الإسهام في صياغته.

«ليس أخطر أشكال الريع ذاك الذي يُمنح في صورة مال، بل ذاك الذي يتخفّى في هيئة فرصة، أو اعتراف، أو دعوة متكررة؛ ريع يشتغل على توزيع الحضور والغياب وتحديد من يُمنح حق الكلام ومن يظل خارج دائرة الاعتراف.»

في المدن التي تعاني هشاشة في بنياتها الثقافية، لا تكون المهرجانات والملتقيات مجرد مناسبات عابرة للفرجة والاحتفال؛ إنها تتحول إلى فضاءات لتوزيع الاعتبار الاجتماعي، وإعادة ترتيب المواقع داخل الحقل المحلي. فالدعوة ليست دائماً مجرد دعوة، والمشاركة ليست دائماً مجرد مشاركة، والدعم ليس دائماً مجرد وسيلة لإنجاز نشاط. قد تصبح هذه العناصر، حين تغيب عنها معايير واضحة ومنصفة، أدوات غير معلنة لإنتاج النفوذ وتثبيت موازين القوة. وهنا يظهر شكل دقيق من أشكال الريع: ريع لا يقوم بالضرورة على خرق القانون، بل قد يتغذى من فراغ المعايير، ومن غموض الاختيارات، ومن اعتياد تدبير الشأن الثقافي بمنطق العلاقات بدل منطق الاستحقاق.

الاحتكار الثقافي: حين تفقد الاستمرارية مبرر الاستحقاق

المشكلة ليست في أن تستفيد جمعية من دعم أو تشارك في تنظيم تظاهرة أكثر من مرة؛ فالتراكم في التجربة قد يكون دليلاً على الكفاءة، والاستمرارية قد تكون نتيجة عمل جاد. لكن الإشكال يبدأ حين تتحول الاستمرارية إلى احتكار فعلي، وحين يصبح تكرار الاختيار ظاهرة لا تجد تفسيرها في جودة المشاريع وحدها، وحين لا يعود المجال مفتوحاً أمام تجارب أخرى كي تقدم نفسها وتختبر قدرتها على الإسهام. عندئذ يصبح من المشروع طرح سؤال بسيط في صياغته، عميق في دلالته: هل نحن أمام منافسة ثقافية حقيقية، أم أمام دائرة مغلقة يعيد بعضها إنتاج بعض؟

«الإشكال يبدأ حين تتحول الاستمرارية إلى احتكار فعلي، وحين يصبح تكرار الاختيار ظاهرة لا تجد تفسيرها في جودة المشاريع وحدها: هل نحن أمام منافسة ثقافية حقيقية، أم أمام دائرة مغلقة يعيد بعضها إنتاج بعض؟»

إن المجتمع المدني، في معناه النقدي، لم يوجد ليكون امتداداً إدارياً أو ثقافياً للسلطة، ولا ليؤدي وظيفة تزيينية تمنح القرارات القائمة مظهراً تشاركياً. لقد نشأت فكرة العمل الجمعوي باعتبارها إمكانية لتنظيم المبادرة من خارج أجهزة القرار، وتوسيع مجال الفعل العمومي، ومساءلة المؤسسات، وخلق مساحات مستقلة للتعبير والاقتراح. لكن هذه الوظيفة تفقد معناها حين تتحول الجمعية من وسيط بين المجتمع ومؤسساته إلى وسيط بين المؤسسة وامتيازاتها؛ وحين يصبح القرب من دوائر القرار رأسمالاً أهم من المشروع، وتغدو القدرة على الوصول إلى المسؤولين أكثر حسماً من القدرة على إقناع الجمهور.

صناعة الولاء والمنافع الرمزية المتبادلة

في هذه اللحظة تتبدل طبيعة العلاقة بين السياسي والجمعوي. لا يعود الأمر مجرد تعاون مشروع بين مؤسسة عمومية وفاعل مدني، بل قد ينشأ تبادل صامت للمنافع الرمزية: تمنح المؤسسة لبعض الفاعلين موقعاً متقدماً داخل المشهد، فيمنحها هؤلاء صورة عن التعدد والمشاركة والانفتاح. وهكذا لا يُشترى الولاء دائماً بالمال؛ فقد يُصنع بتكرار الاعتراف، وبمنح فرص الظهور، وبإبقاء أبواب معينة مفتوحة أمام أسماء بعينها. إنها علاقة لا تحتاج إلى اتفاق مكتوب كي تنتج آثارها، لأن العادة وحدها قد تتحول إلى نظام، ولأن الامتياز حين يتكرر يفقد مظهره الاستثنائي ويصبح، في نظر المستفيد منه، حقاً مكتسباً.

«لا يُشترى الولاء دائماً بالمال؛ فقد يُصنع بتكرار الاعتراف وبمنح فرص الظهور. تمنح المؤسسة لبعض الفاعلين موقعاً متقدماً، فيمنحونها صورة عن التعدد؛ تبادل صامت للمنافع الرمزية يُحوّل الامتياز إلى حق مكتسب!»

ولعل ما يجعل هذا الريع أكثر خطورة هو أنه لا يقصي الآخرين بقرار معلن، بل يدفعهم تدريجياً إلى الهامش. لا أحد يقول للمثقف المستقل إنه ممنوع من المشاركة، ولا أحد يعلن إغلاق المجال أمام جمعية جديدة، لكن شبكة الاختيارات المتكررة قد تجعل الإقصاء واقعاً معاشاً، حتى وإن لم يكن قراراً مكتوباً. يصبح الغياب نتيجة تراكمية لقرارات صغيرة، ويصبح الاحتكار نتيجة طبيعية لآليات لا يجرؤ أحد على مساءلتها. وهنا تكمن المفارقة: قد يحتفظ المشهد بكل مظاهر التعدد، بينما تتقلص داخله فرص التعدد الفعلي.

مساءلة توزيع الفرص: دفاع عن المعنى العمومي للثقافة

إن الدفاع عن هذا النقد لا يعني التشكيك في نوايا كل جمعية استفادت من دعم أو شاركت في تنظيم مهرجان، ولا يعني تحويل الاختلاف إلى خصومة شخصية. فالعمل الجمعوي لا يُدان لمجرد حصوله على الدعم، كما أن القرب من المؤسسات ليس دليلاً تلقائياً على التبعية. لكن من حق الرأي العام أن يعرف كيف تُحدد الأولويات، وعلى أي أساس تُختار الجمعيات، وما الذي يجعل اسماً يتكرر في واجهة التظاهرات بينما تظل مبادرات أخرى خارج الحساب. إن مساءلة طريقة توزيع الفرص ليست استهدافاً للأشخاص، بل دفاع عن المعنى العمومي للثقافة، وعن حق المدينة في ألا تختزل ذاكرتها وإبداعها في دائرة ضيقة من العلاقات.

«مساءلة طريقة توزيع الفرص ليست استهدافاً للأشخاص ولا تشكيكاً في النوايا، بل دفاع عن المعنى العمومي للثقافة، وعن حق المدينة في ألا تُختزل ذاكرتها وإبداعها في دائرة ضيقة من العلاقات.»

والأشد إيلاماً أن بعض المدن لا تعاني نقصاً في الطاقات بقدر ما تعاني سوء الاعتراف بها. ففيها من يشتغل بصمت، ومن يراكم التجربة خارج الأضواء، ومن يكتب ويبحث ويؤطر وينظم دون أن يمتلك مفاتيح الوصول إلى المنصات الرسمية. ليست المشكلة دائماً أن هؤلاء لا يملكون مشاريع، بل أن المشاريع لا تدخل جميعها إلى مجال الرؤية بالقدر نفسه. فالمدينة التي لا ترى إلا الوجوه التي اعتادت رؤيتها، لا تكتشف إمكاناتها، بل تعيد تدوير صورتها عن نفسها. وحين يصبح المهرجان مناسبة لإعادة توزيع الأدوار القديمة، بدل اكتشاف أصوات جديدة، فإنه يفقد جزءاً من وظيفته الثقافية ويتحول إلى مرآة لعلاقات القوة القائمة.

إن المثقف الذي يطرح هذه الأسئلة لا يطالب بمقعد شخصي، ولا ينازع أحداً في حقه في العمل أو المشاركة؛ إنه يدافع عن مبدأ أوسع من الأشخاص: ألا تتحول الثقافة إلى مجال للمكافأة السياسية، وألا يصبح العمل الجمعوي طريقاً مختصراً نحو الاعتراف المشروط، وألا تُقاس قيمة الفاعل الثقافي بمدى قربه من صاحب القرار. فاستقلال المثقف لا يُختبر حين يكون صوته مقبولاً، بل حين يملك القدرة على مساءلة من يملك سلطة المنح والمنع، دون أن يخشى أن يتحول اختلافه إلى سبب لإبعاده عن المجال العام.

استقلال المثقف وتحرير الفضاء الثقافي من الوصاية

قد تنجح تظاهرة في استقطاب الجمهور، وقد تنجح جمعية في تنظيم أنشطة متتالية، لكن النجاح التنظيمي لا يعفي من سؤال العدالة في توزيع الفرص، كما أن الحضور الجماهيري لا يمنح أي جهة حق احتكار تمثيل المدينة ثقافياً. فالمدينة ليست ملكاً لمن ينظمون مهرجاناتها، والثقافة ليست رصيداً خاصاً لمن اعتادوا الوقوف على منصاتها. إنها ملك للذاكرة المشتركة، وللأصوات المتعددة، ولأولئك الذين يشتغلون خارج حسابات الولاء والاصطفاف.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث للثقافة المحلية ليس أن تفشل تظاهرة أو يتعثر مهرجان، بل أن تنجح الآليات التي تجعل المشهد يعيد إنتاج نفسه، وأن يصبح التكرار بديلاً عن التنافس، والقرب بديلاً عن الكفاءة، والاعتراف المتبادل بديلاً عن التقييم. فحين تُوزع الفرص داخل دائرة ضيقة، لا يُحرم الآخرون من مشاركة عابرة فحسب، بل تُحرم المدينة من احتمال أن تكون شيئاً آخر، ومن فرصة اكتشاف وجوه وأفكار وتجارب قادرة على تجديد حياتها الثقافية.

ليس المطلوب إقصاء من استفادوا، بل إنهاء منطق الامتياز المغلق. وليس المطلوب استبدال دائرة بأخرى، بل فتح المجال أمام الجميع وفق معايير معلنة، ومشاريع قابلة للتقييم، ومحاسبة تضمن أن المال والاعتبار العموميين يخدمان المصلحة الثقافية المشتركة. لأن الثقافة التي تحتاج إلى الولاء كي تعترف بأبنائها، لا تنتج استقلالاً ثقافياً، بل تنتج تابعين يتنافسون على رضا الجهة المانحة. أما الثقافة الحقيقية، فلا تُقاس بعدد الذين يصفقون للقرار، بل بقدرتها على خلق مسافة نقدية منه؛ ولا تُقاس بمن يحتلون المنصة، بل بمن يملكون الحق في الوصول إليها، ومن يملكون أيضاً شجاعة مساءلتها.

«الثقافة الحقيقية لا تُقاس بعدد الذين يصفقون للقرار، بل بقدرتها على خلق مسافة نقدية منه؛ ولا تُقاس بمن يحتلون المنصة، بل بمن يملكون الحق في الوصول إليها، ومن يملكون أيضاً شجاعة مساءلتها!»

الخميسات في: الأول من نونبر 2026
سفيان المعروفي — رئيس جمعية خميسآرت
تنويه: المقال يعبر عن رؤية نقدية فكرية للشأن الثقافي والجمعوي العام من تأطير رئيس الجمعية.

👥 للتواصل مع جمعية خميسآرت وإدارتها

دار الشباب 20 غشت، الخميسات — فضاء للإبداع والحوار الثقافي الحر

موضوعات ذات صلة