قصة: «جدران صامتة» للمبدعة هبة الخماشي (ملتقى شاركنا إبداعك 4)
«جدران صامتة»
«الأيام تتحول إلى شهور طويلة متشابهة.. أغبط الأعمى على العدم الذي يشاهده، وأهنئ الصم على الصمت الذي يسمعه..»
الأيام تتحول إلى شهور طويلة متشابهة. منذ أن أفتح عيني، أتمنى لو أن الليل يأتي لأغمضهما مرة أخرى. أغبط الأعمى على العدم الذي يشاهده، وأهنئ الصم على الصمت الذي يسمعه، أترك غرفتي غصباً كل صباح وكأني شجرة تُقتلع من جذورها، أمشي كجثة أُحييت لتعيش شقاوة الأيام مرة أخرى، أسير في الطرقات البئيسة التي لا تكاد تنتهي من فرط طولها، والوجهة إلى مكان واحد فقط وهو العمل، طريق العمل شاق أكثر من العمل بنفسه، مليء بالبؤس، مكتظ بالبشر وبصراخهم. فوق الرصيف، أطفال متشردون يمدون أيديهم للمارة علّها تلقي فيهما بعض الدراهم. وعلى ناصية الشارع، تجد الشجار المعتاد بين الشرطة والباعة المتجولين.
أصل إلى العمل أخيراً، فأضطر للقاء العمال وتبادل الحديث السخيف معهم، لا أعلم ما الدافع الذي يجعلني أستيقظ كل صباح وأواجه ظلام هذا العالم، لا أحلم بالموت ولا أتمنى الحياة. متأرجح بين ما أريده وما لا أريده، وممزق بضجيج الفوضى التي تملأ كياني. تمر الساعات بسرعة السلحفاة حتى أنتهي من العمل، فأعود للمنزل من نفس الطريق المظلمة.
جدران غرفتي الأربعة ألطف ما في هذا العالم. تحميني من النظر في سواد العالم ومن سماع صراخه. لا تثرثر ولا تسأل، تكتفي بإيوائي وضمي، وتصمت لسماع صخب أفكاري المتصارعة. لا أذكر يوماً استطعت فيه حل هذا الصراع بين أفكاري. منذ مدة طويلة وأنا في جوف الخير والشر، الأمل واليأس. أبحث عن نطفة سعادة في فسحة هذا العالم المغطى بضباب الحقد والكراهية والحروب.
اتجهت خارج المدينة الصاخبة هذه المرة. أجول وسط الأشجار والجبال، أستنشق هواء الحياة الصافي من البشر، وأصغي إلى سمفونيات العصافير وهفيف الرياح المتناغم. قطعني همس قريب مني، فاستدرت لأرى عجوزاً بيده عصا يتحسس بها الأرض، لم يشعر بوجودي، اقتربت منه أكثر، فحاولت التحدث معه، لكنه لم يبادر بأي حركة، ولم ينطق ببنت شفة. يلف فقط عصاه يميناً وشمالاً ثم يجعلها تسير أمامه، لحقت بخطواته حتى وصلنا إلى ساحة شاسعة محاطة بدرع من بنايات منخفضة كالسهول.
جلس العجوز بجانب نافورة عالية وهو يتكئ على عصاه، تهت وسط الساحة فاتخذت مكاناً بجانب العجوز لأجمع أشلاء أفكاري. ظهر لي بعض البشر بعصيهم، جلّهم يتحركون بانتظام وبطريقة العجوز، نهضت أهيم وسطهم.. تائه وغير مدرك لما أنا فيه، أصرخ بكل قوة ولا أحد يلتفت إليّ، أركض ثم أقف، ثم أجلس ولا شيء يتغير.
«أصبحت غائباً عن الوجود وسط أناس من العمي والصم.. لا أحد يراني ويسمعني غير العصافير وبعض القطط التي حدقت بي وهربت مسرعة. “ما الذي فعلته لتأخذني قدماي إلى ساحة غريبة كهذه؟”، هكذا خاطبت نفسي جهراً لأول مرة وسط ثلة من البشر!»
كنت أغبط الأعمى وأهنئ الصم والآن أنا بجانبهم، وقد أصبح منهم إن لم أستطع العودة إلى مدينتي. سرور اجتاح مهجتي، وأخيراً مكان خالٍ من الظلم واليأس. الكل هنا يسير بدون كلام ولا اكتراث. لا حروب، لا كلام، ولا ظلم في هذه الساحة. ركضت بحرية، زفرت سواد رياح المدينة فأبدلته برياح الساحة المطلة على الأشجار والأنهار.
أدهشتني بناية شامخة كالجبال، سرت بين الناس حذراً ألا أصطدم بأحد، دخلت البناية وصعدت درجها. المنظر من السطح رائع ومريح، الأنهار تسري، وتترك وراءها خريراً يطهر الأذن ويريح البال. جذبني لمعان مضيء فوق صخرة على النهر. صعدت فوق كرسي خشبي وجدته بجانب باب السطح، تعثرت فسقطت مستسلماً للجاذبية التي طرحتني أرضاً.
استيقظت بهلع من حلم كان في البداية جميلاً فتحول في الأخير إلى كابوس مميت. الأيام تتحول إلى شهور طويلة متشابهة مرة أخرى، أتمنى أن أعيد إغماض عيني وأنا للتو فتحتهما.. يوم آخر أغبط فيه الأعمى والصم، وأمشي إلى العمل كجثة شاحبة تتأمل سواد الطريق: الأطفال المتشردون، شجار الباعة المتجولين، والصخب الذي يغطي المدينة بأكملها.
«ها قد عدت إلى كفني مرة أخرى.»
عن الكاتبة الشابة المبدعة: هبة الخماشي
موهبة أدبية واعدة من مدينة الخميسات (مواليد 3 نونبر 2009)، تتابع دراستها بالسنة الثانية بكالوريا (شعبة الآداب والعلوم الإنسانية)، تمتلك شغفاً لافتاً بعوالم القراءة والكتابة السردية. تألقت الكاتبة وتوجت بـ «جائزة خميسآرت للقصة» ضمن مسابقة القصة بملتقى «لاعبين» (دورة الكاتب والمسرحي محمد الشغروشني – الدورة 3)، كما توجت قصتها «جدران صامتة» بـ «جائزة رونق للقصة»، وتشارك بهذا النص المتميز ضمن منشورات ملتقى الشباب المبدع «شاركنا إبداعك» (الدورة 4).
عن مشاركة هذا النص في ملتقى الشباب المبدع (الدورة 4):
يندرج هذا العمل القصصي ضمن الإبداعات الأدبية المختارة للنشر الإلكتروني في الدورة الرابعة لملتقى الشباب المبدع (شاركنا إبداعك)، الذي تنظمه جمعية خميسآرت بهدف تثمين الطاقات الشبابية بالخميسات وتوفير منصة لنشر إبداعاتهم، علماً أن قصة «جدران صامتة» هي القصة الفائزة بجائزة رونق، وتعد الكاتبة هبة الخماشي إحدى الطاقات الشابة التي تألقت وتوجت بـ «جائزة خميسآرت للقصة» ضمن فعاليات ملتقى «لاعبين» (دورة الكاتب والمسرحي محمد الشغروشني – الدورة 3).
💬 هل لامست قصة «جدران صامتة» مشاعرك؟ شاركنا انطباعك في التعليقات أسفله وادعم المبدعة هبة الخماشي بمشاركة القصة مع أصدقائك ومحبي الأدب الراقي!
✨ منصة ملتقى الشباب المبدع — جمعية خميسآرت
للتواصل مع إدارة الملتقى أو الانخراط في أندية الجمعية الإبداعية:
