قصة: «لِــمَــاذَا الآن؟» للمبدعة إيمان قيدوش (ملتقى شاركنا إبداعك 4)
«لِــمَــاذَا الآن؟»
«لم أكن أظن أن الأشياء التي لا نقولها تبقى عالقة داخلنا إلى هذا الحد.. هناك أمور لا تنتهي حين نفقدها، بل حين نعتاد غيابها دون مقاومة»
لم أكن أظن أن الأشياء التي لا نقولها تبقى عالقة داخلنا إلى هذا الحد. هناك أمور لا تنتهي حين نفقدها، بل حين نعتاد غيابها دون مقاومة. وكل مرة كنا نقول فيها: “لاحقًا”، كان شيء ما يبتعد دون أن ننتبه. ربما لم يكن الوقت يمرّ فقط، بل كان يأخذ معه النسخة التي كان يمكننا أن نكونها.
حقيقةً، بات هذا السؤال يتردد صداه في عقلي منذ ساعات. منذ ساعات، وعقلي لا يتوقف عن طرحه: لماذا الآن؟
بدأ كل شيء قبل ساعات، عندما وجدت رسالة مطوية في قبو المنزل. في البداية بدا شكلها مألوفًا لي، ربما لأن خطها كان يشبه خط يدي. فتحتها لأجد كلمتين فقط: لماذا الآن؟
مجرد كلمتين، لكنهما مرّتا داخلي كنسيم اجتاح صدري، كأنهما تحاولان إيقاظ شيء تركته طويلًا تحت طيّ النسيان. في البداية حاولت اعتبارها مجرد رسالة عابرة، شيئًا يمكن تجاهله بسهولة، مجرد حبر على ورق. لكن كلماتها كانت أعمق من شيء عابر، كانت تتسلل إليّ شيئًا فشيئًا، وكأنها تعرف تمامًا أين تستقر.
لماذا الآن؟ لماذا تظهر هذه الكلمات الآن تحديدًا؟ ما الشيء الذي تحاول إيصاله؟
كلما حاولت إبعاد الفكرة، وجدتني أعود إليها دون وعي. ليس لأن الرسالة مهمة فحسب، بل لأن ما بداخلها بدأ يلامس شيئًا أعمق مني، شيئًا كنت أؤجله طويلًا دون أن أجرؤ حتى على تسميته.
لم تكن الأفكار مرتبة ولا هادئة، بل كانت أشبه بفتح باب واحد فتنهار خلفه كل الأبواب دفعة واحدة. أشياء صغيرة كنت أدفنها بصمت: اعتذار لم يخرج في وقته فترك أثره في صدري، كلمات كنت أعلم أنها ستغيّر شيئًا ما لكنني خفت قولها خوفًا من أن تأخذ الأمور منعطفًا سيئًا، وفرص مرّت أمامي فتجاهلتها وأنا أقول: “ليس الآن”، وكأن “الآن” كانت دائمًا قريبة بما يكفي لأطمئن.
لكنها لم تكن قريبة أبدًا، بل كانت تبتعد في كل مرة ظننت فيها أنها ما تزال تنتظرني.
لماذا كنت أؤجل كل شيء؟ لماذا كنت أتعامل مع الوقت وكأنه لا ينفد، وكأنه رحيم بنا، وكأن الحياة ستظل تنتظرني بصبر لا ينتهي؟
ثم بدأ شيء آخر يظهر… ليس أفكارًا فقط، بل إحساس كامل يتسلل تدريجيًا. إحساس بأنني لم أخسر فقط لحظات، بل كنت أخسر نفسي شيئًا فشيئًا دون أن أنتبه. كأنني كنت أعيش على الهامش، أراقب حياتي بدل أن أشارك فيها.
لماذا يأتي هذا الإدراك الآن، حين لم يعد من السهل إصلاح كل شيء كما كنت أعتقد؟ حين جعلنا الوقت نشعر أن العام ساعة، وأن اليوم دقيقة.
كنت أظن أن لديّ وقتًا كافيًا لأقول كل شيء، لأجرب كل شيء، لأصلح كل شيء في اللحظة التي أختارها. لكن يبدو أن الوقت لا ينتظر هذا النوع من اليقين.
والغريب أن الرسالة لم تقل شيئًا جديدًا… لكنها جعلتني أرى ما كنت أرفض رؤيته. لم تكن رسالة عتاب فقط، بل كانت كأنها سؤال أخير تُرِك لي، لأنني وصلت متأخرًا جدًا. كأنها لم تُكتب لتسألني: “لماذا الآن؟” فقط، بل لتجبرني على أن أسأل نفسي: ماذا فعلت بكل ما كان يجب أن يحدث قبل الآن؟
ربما أسوأ أنواع الندم ليست تلك التي تأتي بعد الخطأ مباشرة، بل تلك التي تأتي بعد نسيان طويل لما حدث. حين يدرك المرء أن الأشياء لم تضع فجأة، بل ضاعت ببطء… في كل مرة قال فيها: “لاحقًا”. وكأن الحياة لا تسلبنا ما نحب دفعة واحدة، بل تنتظرنا حتى نتأخر عنه بأنفسنا.
وربما لهذا السبب لا يخيفني ضياع الأشياء بقدر ما يخيفني التعايش مع ضياعها، أن يصبح الغياب أمرًا عاديًا، وأن تمرّ الخسارات الصغيرة دون أن تهزّنا كما يجب. فالإنسان لا يتغير فجأة، بل يتآكل ببطء تحت وطأة التأجيل… في كل مرة يؤجل فيها شعوره، ويقنع نفسه أن الوقت ما يزال كافيًا.
والمؤلم حقًا أن الحياة لا تخبرنا متى تحدث الأشياء للمرة الأخيرة. لا تخبرنا أن هذه آخر فرصة، أو آخر محاولة، أو آخر نسخة منا قبل أن يغيّرها التعب والندم. بل تتركنا نعيش بشكل عادي، بينما الأشياء تنسحب دون أن ننتبه. ولهذا يأتي الندم كالجحيم… ليس لأنه يعيد ما فقدناه، بل لأنه يجعلنا نفهم متأخرين.
وربما لهذا كانت الرسالة مزعجة، لأنها لم تسأل: “لماذا الآن؟” بل جعلتني أفهم أن بعض الأشياء، إذا فات وقتها، لا يمكن أن تعود كما كانت.
وجعلتني أتساءل: كم من “لاحقًا” قلتها حتى أصبح “الآن” نتيجة لها؟
عن الكاتبة والمبدعة الصاعدة: إيمان قيدوش
إيمان قيدوش، كاتبة ومبدعة صاعدة من مدينة الخميسات، تبلغ من العمر 16 سنة، تتابع دراستها في مستوى السنة الأولى من سلك البكالوريا (شعبة العلوم التجريبية). تمتلك قلماً أدبياً حسّاساً وشغفاً متقداً بالتأمل الفلسفي وسبر أغوار النفس البشرية. تشارك في فعاليات الدورة الرابعة لملتقى الشباب المبدع (شاركنا إبداعك) بنصها المتميز «لماذا الآن؟» كصوت أدبي شاب يعد بالكثير في ساحة السرد والتعبير الإبداعي.
عن مشاركة هذا النص في ملتقى الشباب المبدع (الدورة 4):
يندرج هذا النص القصصي ضمن الأعمال الأدبية المختارة للمشاركة في الدورة الرابعة لملتقى الشباب المبدع (شاركنا إبداعك)، الذي تنظمه جمعية خميسآرت احتفاءً بالطاقات الشابة الواعدة في مجالات القصة، الشعر، والفنون التشكيلية، حيث تفتح المنصة الرقمية للجمعية فضاءاتها للنشر الإلكتروني وإبراز هذه الإبداعات قبل انطلاق المحطة الحضورية.
💬 هل لامست هذه القصة مشاعرك؟ شاركنا انطباعك في التعليقات أسفله وادعم المبدعة إيمان قيدوش بمشاركة النص مع أصدقائك ومحبي الأدب الراقي!
✨ منصة ملتقى الشباب المبدع — جمعية خميسآرت
للتواصل مع إدارة الملتقى أو الانخراط في أندية الجمعية الإبداعية:
