الباحث في علم الاجتماع زهير العوري
| | |

أثر السياسة السائلة على السلوك الانتخابي: أزمة ثقة أم أزمة ثقافة انتخابية؟

مشاركة المقال:
زهير العوري
بقلم: زهير العوري
باحث في علم الاجتماع

شهد المجتمع المغربي خلال السنوات الأخيرة تحولات بنيوية عميقة شملت مختلف مناحي الحياة، بما فيها الحياة السياسية. واستناداً إلى مفهوم السيولة لدى عالم الاجتماع البولندي زيغمونت باومان (Zygmunt Bauman)، يمكن القول إن السياسة أضحت حقلاً سائلاً يتسم بعدم استقرار الالتزامات وتفكك الروابط التقليدية وهشاشتها المتزايدة.

وإزاء هذا الواقع الجديد، برزت في المشهد الانتخابي ظواهر لافتة تفرض نفسها بقوة، من قبيل العزوف الانتخابي، والتصويت العقابي، وعدم الاستقرار الانتخابي، وتنامي ظاهرة الترحال السياسي التي تعكس زوال الثبات التنظيمي.

وهنا تُطرح الإشكالية الجوهرية: هل يمكن تفسير هذا التحفظ الانتخابي كأزمة ثقة في المؤسسات والأحزاب، أم باعتباره انعكاساً لأزمة ثقافة انتخابية لم تواكب منطق هذا التحول البنيوي؟ وهل هناك تقدير إيجابي على المستوى النظري للانتخابات كآلية ديمقراطية، أم أن هناك تقديراً سلبياً يتجه نحو رفض الانتخابات في حد ذاتها وليس فقط بسبب ما يشوبها من اختلالات وممارسات على المستوى العملي؟

في هذا السياق، يقتضي التحليل السوسيولوجي استحضار التراكم النظري الرصين الذي حاول مقاربة السلوك الانتخابي، باعتباره موضوعاً استراتيجياً يفرض نفسه بإلحاح في ظل التحولات العميقة التي يعرفها الحقل السياسي. ويمكن إجمال أبرز هذه المقاربات في أربعة مداخل مرجعية:

1. المقاربة الجغرافية عند فرنسوا غوغويل (François Goguel): حيث يُعد السلوك الانتخابي فعلاً متجذراً في المجال الترابي، يتحدد بمعطيات الجغرافيا الطبيعية والبشرية؛ فسلوك ناخب الجبل ليس هو بالضرورة سلوك ناخب السهل أو الحاضرة والمدينة.

2. المقاربة السوسيولوجية عند بول لازارسفيلد (Paul Lazarsfeld – مدرسة كولومبيا): من خلال مؤلفه التأسيسي The People’s Choice، الذي يربط القرار الانتخابي بالمحددات البنيوية العميقة للناخب؛ أي مكانته الاجتماعية، ومستواه الاقتصادي، وشبكة علاقاته وانتماءاته الأولية التي تؤطر خياراته وتوجهه.

3. المقاربة المؤسساتية عند موريس دوفرجيه (Maurice Duverger): الذي أكد مبكراً أن العلاقة بين الحزب والناخب ليست علاقة تطابق آلي ساذج، بل هي علاقة وساطة مركبة تخضع لمنطق الجهاز الحزبي وهيكلته التنظيمية وقدرته على الضبط.

4. مقاربة الحقل عند بيير بورديو (Pierre Bourdieu): الذي يدعو إلى تجاوز النظرة الاسمية الضيقة للأحزاب، لفهم الحقل السياسي كسوق رمزي يتم فيه تحويل وإعادة استثمار مختلف أشكال الرأسمال (الاجتماعي، الثقافي، والرمزي) إلى رأسمال سياسي قابل للتداول والتفاوض.

وبالعودة إلى المعطيات الكمية الدالة في الحالة المغربية، فقد بلغ معدل المشاركة في الانتخابات التشريعية الأخيرة نسبة 38.02% (ما يمثل حوالي 6 ملايين ناخب من أصل أكثر من 15.8 مليون مسجل في اللوائح الانتخابية الرسمية)؛ وهو ما يُترجم تراجعاً إجمالياً يُقدر بنحو 2.8 مليون مصوت (أي ما يقارب 32% من حجم المشاركة الفعلية مقارنة باستحقاقات سابقة). وتعد هذه الأرقام مؤشراً سوسيولوجياً بالغ الدلالة على تعمق فجوة العزوف، واتساع رقعة أزمة الثقة داخل الحقل السياسي الوطني.

في ظل هذه “السياسة السائلة”، لم يعد الناخب فاعلاً سياسياً محكوماً بهوية إيديولوجية صلبة أو ولاء حزبي قار ومستقر، بل تحول إلى ذات تائهة داخل سوق انتخابي متقلب، بات فيه العرض السياسي سلعة قابلة للتبادل والاستهلاك السريع والموسمي.

فالناخب السائل هو ناخب بلا مرجعيات ناظمة ولا ثوابت تقليدية؛ يتعامل مع البرامج السياسية كشعارات ظرفية زائلة، ومع المرشحين كوجوه عابرة ومتبدلة، ومع فعل التصويت في حد ذاته كإجراء براغماتي مؤقت تحكمه المصلحة المادية الآنية أو رد الفعل الانفعالي اللحظي، لا كالتزام مواطناتي وأخلاقي استراتيجي طويل الأمد.

إنه يوجد واقعياً في حالة اغتراب مزدوج: فهو مغترب أولاً عن الأحزاب السياسية التي تلاشت قدرتها على تمثيله رمزياً ومجتمعياً، ومغترب ثانياً عن الفعل الانتخابي ذاته بعدما أُفرغ من معناه البنيوي وغاياته التغييرية. لذلك، يتأرجح سلوكه الانتخابي بين ثلاثة أوضاع سوسيولوجية معبرة:

• العزوف الصامت: كشكل واعٍ ومضمر من أشكال الاحتجاج السلبي والانسحاب الصريح لمنح الشرعية والثقة.
• التصويت العقابي: كرد فعل انفعالي مباشر يهدف إلى معاقبة التدبير وإظهار خيبة الأمل من الوعود المعلقة.
• التصويت المتذبذب: حيث يبدل الناخب ولاءه وورقته مع كل استحقاق بحثاً عن بديل خلاصي لم يعد موجوداً في بنية العرض.

وبعبارة بيير بورديو، أضحى الناخب في خضم هذا الحقل السائل مجرد مستهلك لا منتج للمعنى السياسي، فاقداً للكفاءة الرمزية النقدية التي تؤهله للتمييز الموضوعي والفرز العقلاني بين العروض الحزبية، مما يجعل اختياره سلوكاً طافياً بلا جذور تاريخية أو فكرية.

إن ما نعاينه اليوم من تراجع لافت للصلابة الإيديولوجية والتنظيمية، وذوبان الفروق الجوهرية والبرامجية بين مختلف ألوان الطيف السياسي، وتحول التشكيلات الحزبية إلى عناوين تقنية متقاربة وقابلة للتبادل، أفضى حتماً إلى انتقال مفهوم الانتماء السياسي من التزام جماعي وأخلاقي مبدئي إلى مجرد خيار تكتيكي ظرفي تحكمه قوانين السوق والمقايضة والحسابات الفردية الضيقة.

وغالبًا ما يُختزل تفسير عزوف المواطنين عن المشاركة في مقولات جاهزة تدعي “ضعف الوعي السياسي” وسيادة اللامبالاة والتراخي، خصوصاً في أوساط الشباب. بيد أن هذا الطرح ينطوي على مجازفة منهجية وتضليل سوسيولوجي؛ لأنه يُسقط المسؤولية عن كاهل المؤسسات المنتخبة ويُلقيها على عاتق الأفراد، جاعلاً من المواطن سبباً ومحركاً للأزمة بدل أن يُنظر إليه كشاهد رئيسي وضحية مباشرة لتراجع المكتسبات وضعف المردودية.

وفي هذا الإطار التحليلي، يتعين التمييز الصارم بين مفهومي المرونة والسيولة؛ فالخلط بينهما يُفقد المقاربة دقتها الإبستمولوجية الرصينة. فالمرونة تشكل خاصية وظيفية صحية لأي نظام ديمقراطي تعددي يقوم على الحوار والتفاوض وبناء التسويات والتوافقات التشاركية. أما السيولة بمنظور باومان، فتصف حالة مرضية بنيوية يتحول معها الانتماء الحزبي إلى مجرد وسيلة تقنية عابرة تُستحضر وقت الاقتراع ثم تُهمل وتُلقى على الهامش بعد تقاسم المقاعد؛ وحين تفقد البرامج قدرتها على التمايز والابتكار، يتعذر على الناخب الاختيار العقلاني، ليفقد القرار السياسي برمته عمقه التأسيسي وجدواه المجتمعية.

إن الخلاصة السوسيولوجية الحاسمة تشير إلى أن السياسة السائلة لا تلغي الممارسة السياسية كواجهة شكلية واستعراضية (إذ تستمر المهرجانات، وتتوالى الخطابات المكرورة، وتتناوب نفس الوجوه)، غير أنها تُجردها وتُفرغها كلياً من حمولتها التنظيمية ومضمونها القيمي والأخلاقي. كما أن الانسحاب من العملية الانتخابية ليس مجرد موقف عفوي عابر، بل هو نتاج سيرورة مركبة تتضافر فيها اختلالات التنشئة السياسية، مع تراكم أزمات الثقة، مصحوبة بانحسار أدوار الوساطة والتأطير الجمعوي والمدني الرصين.

وهذا الصمت الانتخابي البليغ يقودنا بالضرورة إلى مساءلة تفكيكية أعمق: كيف استطاع النسق السياسي أن يتعايش مع انسحاب جماهيري واسع دون أن يُعلن عن أزمة شرعية صريحة؟

للإجابة عن هذا السؤال، يبرز مفهوم الهيمنة عند المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي (Antonio Gramsci) كأداة تفسيرية فريدة؛ فالهيمنة لا تقوم على الإكراه والإخضاع القسري المادي، بل على صناعة الرضا السلبي وتحويل الإكراه إلى “حس مشترك” بديهي يُكرس الصورة النمطية السائدة حول عجز الأحزاب وعدم جدوى التغيير.

وهنا تماماً تلتقي الهيمنة بالعزوف في متوالية سببية محكمة؛ فحين يستبطن المواطن تلك المسلمات الاستكانية، يتبدى عزوفه في ظاهره كقرار فردي معزول، بينما يتحول في جوهره البنيوي من مجرد نتيجة للهيمنة القائمة إلى أداة مركزية لإعادة إنتاجها وتحصينها ضد أي مساءلة ديمقراطية ومجتمعية فعلية.

#زهير_العوري (باحث في علم الاجتماع)

«في ظل السياسة السائلة، لم يعد الناخب فاعلاً محكوماً بهوية إيديولوجية صلبة، بل أضحى ذاتا تائهة داخل سوق انتخابي متقلب.»

«الناخب السائل يتعامل مع البرامج كشعارات ظرفية، ومع المرشحين كوجوه عابرة، ومع التصويت كفعل براغماتي مؤقت تحكمه المصلحة الآنية.»

«تفسير العزوف بضعف الوعي ينطوي على مجازفة منهجية؛ لأنه ينقل المسؤولية من المؤسسات إلى الأفراد، ويجعل المواطن سبباً في الأزمة بدل أن يكون متضرراً منها.»

«حين يستبطن المواطن بديهيات الهيمنة، يتحول عزوفه من مجرد نتيجة للهيمنة إلى أداة وظيفية لإعادة إنتاجها وتحصينها ضد أي مساءلة فعلية.»

تنويه: المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي أو توجه منصة جمعية خميسآرت.

موضوعات ذات صلة