غلاف قصة متمردة ما بعد منتصف الليل - الكاتبة لطيفة بنعاشير
| |

متمردة ما بعد منتصف الليل

مشاركة المقال:

🌙 متمردة ما بعد منتصف الليل

«لأن بعض الأحلام لا تبدأ في الصباح.. بل بعد منتصف الليل»

✍️ نص إبداعي وقصصي بقلم: الأستاذة لطيفة بنعاشير
غلاف قصة متمردة ما بعد منتصف الليل - الكاتبة لطيفة بنعاشير | جمعية خميسآرت

🌧️ الليلة، يهطل المطر.. وعروسة الشتاء

الليلة، يهطل المطر.
تغسل السماء وجه المدينة، وتترك للشارع أن يتنفس قليلاً بعيداً عن ضجيج النهار. المصابيح تنعكس على الإسفلت المبلل، والبرد يتسلل بهدوء إلى الأزقة، بينما يستعد معظم الناس لإغلاق أبوابهم والعودة إلى دفء غرفهم.

أما داميا، فكانت تفعل العكس تماماً.
كلما أقبل الليل، شعرت أن شيئاً فيها يستيقظ. كانت عاشقة لليل والشتاء، متصالحة مع تلك الساعات التي يخافها البعض، ومفتونة بكل ما هو ليلي؛ بالهدوء الذي يسبق الكلام، وبالأضواء البعيدة، وبالوجوه التي تظهر للحظات ثم تختفي.

حتى إنها اختارت لنفسها أسماء تشبه هذه الروح: تيسليت ونزار.. عروسة الشتاء. أسماء لامرأة لم تجد نفسها كاملة في وضح النهار، فوجدت جزءاً منها في عتمة الليل؛ حيث يقل الكلام، ويعلو صوت الإنسان في داخله.

«وكانت تؤمن بفكرة بسيطة: لا أحد يسهر ليلاً بلا سبب. كل واحد من رواد الليل يحمل حكاية. هناك من ينتظر قطاراً، ومن ينتظر خبراً، ومن يهرب من غرفة ضاقت عليه، ومن يبحث عن عمل، ومن يحمل سؤالاً لم يجد له جواباً، ومن يخشى أن يعود إلى بيته قبل أن يهدأ ما بداخله. ولكل ساهر حكايته.. لذلك كانت داميا تراقبهم دون أن تسألهم. فالليل، في نظرها، لا يحتاج دائماً إلى الأسئلة. أحياناً يكفي أن تنصت.»

🚉 محطة القطار.. الهروب إلى الحياة

كانت غرفتها تضيق بها أحياناً. أربعة جدران، سرير، بعض الأوراق، هاتف، وأفكار كثيرة. الغرفة كانت تتسع لجسدها، لكنها لم تعد تتسع لكل ما يدور في رأسها. أفكار عن المستقبل، مشاريع مؤجلة، أحلام أكبر من المساحة، وأسئلة لا تعرف أين تضعها.

فتخرج. لكن خروجها لم يكن هروباً من الحياة.. كان هروباً إليها.

تتجه إلى محطة القطار. هناك، وسط المدينة، تجد مساحة مفتوحة لا تسألها من تكون، ولا لماذا جاءت، ولا إلى أين ستذهب. محطة يحرسها حراس الليل، بأزيائهم الرسمية وألوانها المختلفة، بينما تمر من أمامهم حكايات لا تنتهي.

قطارات تأتي. قطارات تغادر. مسافرون يركضون للحاق بوجهاتهم. وآخرون يجلسون طويلاً، كأنهم ينتظرون شيئاً لا يظهر في جدول الرحلات.
تجلس داميا. تفتح دفترها. وتكتب.

✍️ في المحطة.. حين تصبح الكتابة لغة لما لا يُرى

في المحطة، يصبح التفكير أخف. تكتب عن نفسها، وعن الناس، وعن الأشياء التي لا تظهر في الصور ولا تكشفها الابتسامات. تكتب عن الذين يعانون في صمت. عن الذين تعلموا أن يبتسموا كي لا يضطروا إلى شرح ما يؤلمهم. عن أولئك الذين يحملون عواصف كاملة داخلهم، ثم يمشون بين الناس بوجه هادئ، وكأن شيئاً لم يحدث.

كانت داميا تعرف أن المعاناة ليست دائماً مرئية. وأن بعض أكثر الناس ابتساماً قد يكونون أكثرهم احتياجاً إلى أن يُسمعوا. لذلك قررت ألا تترك ما لا يُرى بلا لغة.

هنا أصبحت الكتابة طريقتها في الكلام:
الغضب يتحول إلى نص.. السؤال يتحول إلى فكرة.. التمرد يتحول إلى رسالة.. والصمت يتحول إلى حكاية.

🏛️ حب المكان ومساءلة نقائصه.. وخميسآرت في الوجدان

ولم تكن المحطة بالنسبة إليها مكاناً مثالياً. فداميا تحب المكان، لكنها لا تقدسه. ترى جماله، كما ترى نقائصه. ومن بين ما يلفت انتباهها أن المرافق الصحية المخصصة للنساء ظلت، بحسب ملاحظتها، معطلة لأكثر من شهر؛ وهو أمر لا ينبغي أن يصبح تفصيلاً عابراً في فضاء عمومي يستقبل يومياً نساء وفتيات ومسافرات.

تكتب ذلك في دفترها. لا لتفسد جمال المشهد، بل لتقول إن حب المكان لا يعني الصمت عن عيوبه. فالمدينة التي نحبها تستحق أن نكتب عن جمالها، وأن نسأل أيضاً عن الأشياء التي تحتاج إلى إصلاح.

وربما لهذا بقيت خميسآرت حاضرة في وجدان داميا. كانت واحدة من التجارب التي أعادت إليها علاقتها بالكتابة الإبداعية، وجعلتها تؤمن بأن الكلمة تستطيع أن تمنح الأشياء غير المرئية شكلاً: أن تحول الإحساس إلى لغة، والغضب إلى سؤال، والتجربة إلى قصة.

ومن هنا عادت داميا إلى مشروعها: «ما بعد منتصف الليل». هذه المرة، لم تعد تريد مجرد نصوص متفرقة. تريد أن تجمع القصص: قصص الطلبة الذين تكبر أحلامهم عن غرفهم الصغيرة، قصص العابرين، قصص الساهرين، قصص الذين يضحكون كثيراً كي لا يسألهم أحد عن سبب حزنهم، وقصص الذين يحملون أحلاماً لا يعرف عنها النهار شيئاً. كل وجه احتمال لحكاية.. كل ليلة مشهد.. وكل محطة بداية.

🛤️ نحو مكناس.. فصول وأصوات لم تُروَ بعد

لكن الرحلة لن تتوقف هنا. هذا الفصل سيقود داميا إلى مدينة مكناس. هناك، ستبدأ حكايات أخرى. مكناس بنورها، بأزقتها، بمعالمها، بذاكرتها، وبوجوه ناسها. مدينة تبدو مألوفة لمن يزورها، لكنها تخفي خلف حجارتها وأبوابها وأزقتها قصصاً لم تُروَ بعد.

فالمعالم ليست حجارة صامتة دائماً. أحياناً تكون ذاكرة، وأحياناً يكون وراء باب قديم إنسان، ووراء شارع حكاية، ووراء مدينة كاملة أصوات لم تجد بعد من يصغي إليها. وهناك ستواصل داميا بحثها: لا عن الأماكن الجميلة فقط، بل عن القصص التي لم تجد طريقها إلى الضوء. مكناس لن تكون مجرد محطة جديدة.. ستكون فصلاً جديداً من «ما بعد منتصف الليل».

وربما لهذا لا تخشى داميا تلك الأسماء التي أطلقها عليها البعض: المجنونة، المتمردة، المختلفة المتخلفة. فهي لم تعد بحاجة إلى إقناع الجميع بها. هي فقط تريد أن تظل وفية لما تؤمن به. أن تسأل حين يجب أن تسأل، وأن تقول «لا» حين يصبح قول «نعم» خيانة لما تؤمن به.

وأن تقول: «نحن هنا. نحن الذين قد نبدو بخير، ولسنا كذلك دائماً. نحن الذين نختلف، ونسأل، ونفكر، ونرفض أن نكون مجرد نسخ متشابهة.. لا لأنها تريد أن تكون فوق الآخرين، بل لأنها لا تريد أن تكون نسخة منهم.»

وعندما يسألها أحد: لماذا الليل؟ قد تبتسم وتجيب: لأن الليل لا يحكم على أحد من مظهره. في الليل، تتساوى الحكايات. كل شخص يحمل شيئاً لا يعرفه الآخرون. كل نافذة مضاءة قد تخفي حياة كاملة. وكل ساهر قد يكون في الحقيقة في موعد مع نفسه.

🎬 حلم أكبر من دفتر.. فيلم يولد من الليل ومحطات الانتظار

هذه الليلة، والمطر يهطل، تجلس داميا في محطتها. تسمع صوت القطار. تنظر إلى السكة. تفتح دفترها.. وتكتب.

لا تعرف بعد إلى أين ستأخذها كل هذه القصص، لكنها تعرف أنها لا تجمعها عبثاً. ففي رأسها حلم أكبر من دفتر: فيلم سينمائي. فيلم يولد من الليل والمطر ومحطات الانتظار، من الوجوه العابرة، ومن قصص أولئك الذين ظنوا أن أحداً لن يسمعهم. تجمع داميا القصص الآن، واحدة تلو الأخرى. تكتبها، تعيشها، تبحث عنها.. ثم، حين تكتمل الصورة، تريد أن تضعها أمام الكاميرا؛ لا لتروي قصتها وحدها، بل لتمنح الشاشة مساحة لمن لم يجدوا من يروي قصصهم.

وحين ينتهي جمع حكايات «ما بعد منتصف الليل»، ربما ستعود داميا إلى المحطة نفسها. ستجلس في المكان ذاته. ستسمع القطار يغادر. لكنها لن تكون تلك الطالبة التي كانت تأتي إلى هنا هرباً من ضيق غرفتها.. ستكون قد حملت معها مشروعاً كاملاً. وحينها ستبتسم، لأنها ستعرف أن كل تلك الليالي، وكل ذلك المطر، وكل تلك الدفاتر، وكل ذلك الهروب الجميل لم يكن ضياعاً.. كان بداية فيلم لم يُصوَّر بعد.

أما داميا؟ فستظل عاشقة لليل والمطر.. تيسليت ونزار.

تلك التي وجدت في العتمة مساحة للضوء.
وتؤمن أن لكل ساهر سبباً، ولكل مدينة حكايات، ولكل محطة وجهة.
وأن بعض الرحلات لا تبدأ حين يتحرك القطار.. بل حين يقرر الإنسان، للمرة الأولى، ألا يبقى حيث كان.
وبعض الأحلام لا تبدأ في الصباح.. بل تبدأ: ما بعد منتصف الليل.

📖 جمعية خميسآرت | فضاء الإبداعات ونادي القراءة والكتابة

منصة لاحتضان الطاقات الأدبية، ونشر النصوص الإبداعية، ودعم التجارب الفنية الصاعدة

موضوعات ذات صلة