مشهد من العرض المسرحي مريريدة نايت عتيق بالمركز الثقافي الأطلس بالخميسات
| |

شعرية الجسد وسياسات الذاكرة: قراءة في مسرحة سيرة «مَرِيرِيدَة نَايْتْ عَتِيق»

مشاركة المقال:
قراءة نقدية مسرحية

شعرية الجسد وسياسات الذاكرة

قراءة في مسرحة سيرة «مَرِيرِيدَة نَايْتْ عَتِيق»

ع
بقلم: عبد الجليل ولد حموية
كاتب وباحث مسرحي
🗓️ 16 أكتوبر 2026 ⏱️ قراءة متأنية: 10 دقائق
مشهد المواجهة الدرامية من مسرحية مريريدة
🎭 مشهد درامي محتدم من مسرحية «مريريدة» لفرقة فضاء أثينا على خشبة المركز الثقافي بالخميسات (تأليف وإخراج: محمد أهمو «ميدو»)

📌 بطاقة العرض المسرحي:

العمل المسرحي: مسرحية «مريريدة»
الفرقة المنتجة: فرقة «فضاء أثينا»
التأليف والإخراج: محمد أهمو (المعروف بـ«ميدو»)
فضاء العرض: المركز الثقافي الأطلس بالخميسات
الموضوع المركزي: مساءلة التراث الشفهي وسيرة الشاعرة الأمازيغية مريريدة نَايْتْ عَتِيق (أعالي وادي تسّاوت).

مدخل إبستمولوجي وسياق الإنتاج

يندرج العمل المسرحي «مريريدة»، الذي قدمته فرقة «فضاء أثينا» على خشبة المركز الثقافي الأطلس بالخميسات، تأليفاً وإخراجاً لمحمد أهمو (المعروف بـ«ميدو»)، ضمن أفق دراماتورجي ينخرط بوعي في مساءلة التراث الشفهي والهامش التاريخي. لا يتعامل العرض مع الذاكرة بوصفها متحفاً أنثروبولوجياً ساكناً، بل يحيلها إلى بؤرة اشتباك درامي متعدد الدلالات؛ إذ لا يتوسل استدعاءُ الشاعرة الأمازيغية مريريدة نَايْتْ عَتِيق، ابنة قرية «مجداز» المعلقة في أعالي وادي تسّاوت بإقليم أزيلال، السردَ البيوغرافي الخطي أو التحنيط الأيقوني الرائج لسير الشخصيات التراثية، بل يتبنى استراتيجية تفكيكية تعيد النظر في التمفصلات التاريخية الكبرى عبر منظار التجربة الإنسانية المجهرية.

تتحرك المسرحية في منطقة تقاطع بالغة الحساسية بين أسئلة الجندر، والاستعمار، والطبقة، والسيادة اللغوية؛ فالشاعرة التي أُبدعت نصوصها باللسان الأمازيغي، وظلت ردحاً طويلاً رهينة الصمت والإقصاء، لا تعود إلى الفضاء الركحي لتستجدي اعترافاً تأريخياً متأخراً، بل لتفضح الآليات التي سعت إلى طمسها. وبذلك يستحيل العرض، عبر بنائه الدرامي، مختبراً نقدياً يقارب السيرة بوصفها وثيقة حية للمقاومة؛ حيث لا ينفصل صوت الشاعرة عن جسدها المنبوذ، ولا تنعزل محنتها الذاتية عن المأساة الجماعية لمجتمع جبلي يرزح تحت وطأة الاستبداد البطريركي والتوغل الاستعماري.

حضور الجسد الأنثوي والهوية التراثية في الأداء الركحي لمسرحية «مريريدة»
📷 حضور الجسد الأنثوي والهوية التراثية في الأداء الركحي لمسرحية «مريريدة»

فينومينولوجيا الجسد الركحي: الصوت بوصفه انتزاعاً للسيادة الوجودية

تنهض الدراماتورجيا المؤسِّسة لشخصية مريريدة على مفارقة التموضع الجغرافي والاجتماعي الحاد؛ فقد انبثقت هذه الذات الشاعرة من أقاصي العزلة الأطلسية في وادي تسّاوت، حيث تفرض الجغرافيا الجبلية قسوتها، وتسيّج المنظومة الأبوية حركة الجسد الأنثوي وتقوضها، راسمةً بدقة متناهية حدوده التعبيرية. في هذا السياق، لم يكن طلاق مريريدة المبكر ورفضها الانصياع لإكراهات الزواج التقليدي مجرد انكسار عاطفي عابر، بل مثّل قطيعة وجودية جذرية مع النظام الأخلاقي السائد في المحيط القروي المحافظ ومحاولة هروب يطوقها الفشل. وتتجلى شعرية الجسد على الخشبة عبر إعادة تأويل حضور الممثلة؛ فالجسد الأنثوي الذي أرادت له الأعراف أن ينحصر في مهام الفضاء المنزلي الضيق (الغزل، والنسيج، والاحتطاب…)، اقتحم الفضاء العمومي المفتوح، متجولاً في رحاب الأسواق الشعبية ومسالك الترحال (حتى لو كان رغما عنه). لقد شكّل إقدام مريريدة على إنشاد قصائدها بصوت جهوري بين جموع الرجال، في ساحات التداول اليومي، فضيحة بصرية وسمعية رجّت أركان المنظومة الذكورية آنذاك وأعراف المجتمع المحافظ.

«لم تكن الشاعرة تمتلك سلطة التأليف التدويني، ولا حظوة الانتماء إلى نخب العلماء أو المؤسسات المخزنية والإدارية، غير أنها امتلكت حنجرتها؛ والصوت، متى انبثق من موقع الهامش غير المرخص له بالكلام، غدا أداة هدم وتعرية، بل يصبح تحدياً غير معلن، وعنيفاً في ذات الوقت، لكل مكونات المجتمع التقليدي عندما يكون أنثوياً.»

يستثمر العرض فعل الإنشاد بوصفه «فعلاً كلامياً» أدائياً بالمعنى الفينومينولوجي، ينزع عن الكلمة طابعها التجريدي ليضفي عليها مادية حسية مباشرة. لم تكن الشاعرة تمتلك سلطة التأليف التدويني، ولا حظوة الانتماء إلى نخب العلماء أو المؤسسات المخزنية والإدارية، غير أنها امتلكت حنجرتها؛ والصوت، متى انبثق من موقع الهامش غير المرخص له بالكلام، غدا أداة هدم وتعرية، بل يصبح تحديا غير معلن، وعنيف في ذات الوقت، لكل مكونات المجتمع التقليدي عندما يكون أنثويا. لقد صاغت نصوصها بلغة جريئة تناولت الغدر، والخيبة، والشغف الإيروتيكي، وقسوة التراتبية الاجتماعية، لتكسر بذلك الصورة النمطية للمرأة الأطلسية الخاضعة والمكتفية بالأدوار الإنجابية، ولتنتزع سيادتها التاريخية على جسدها ولغتها معاً.

الشاعرة مريريدة متفردة في عمق الخشبة تنشد بوحها وصوتها الأمازيغي الجبلي
📷 الشاعرة مريريدة متفردة في عمق الخشبة تنشد بوحها وصوتها الأمازيغي الجبلي

التمفصل الدراماتورجي وتشظي البنى القرابية: شخصية «عمر العسكري» ومأزق العمالة

يتجاوز النص المسرحي أحادية الصراع الرائجة في القراءات التبسيطية التي تختزل أزمة البطلة في مناهضة الاستبداد الذكوري المعزول، ليدرج هذا الصراع ضمن سياق تاريخي وسياسي شديد التعقيد من خلال شخصية «عمر العسكري»، ابن عم مريريدة. تمثل هذه الشخصية عقدة التوتر التراجيدي وعامل التفجير الداخلي للروابط القرابية؛ فالرجل الذي يحمل النسب العائلي ذاته ورابطة الدم التي يُفترض فيها تقليدياً توفير الملاذ والدفاع عن الشرف القبلي المشترك، ينكشف مساره عن ارتهان تام لأجندات المستعمر، المرموز إليه ركحياً بـ«إيرومين» (النصارى/الأجانب). يُحدث هذا الاختراق شرخاً غائراً في مفهومي الهوية والانتماء؛ فالعدو في المنظور الدرامي للعرض لا يقتحم الجغرافيا والوعي من الخارج بقوته العسكرية المجردة فحسب، بل يستمد فاعليته من قدرته على تدجين الذات المحلية وتجنيد حراسها التقليديين. يتحول عمر العسكري في بذلته النظامية إلى رمز لانهيار النموذج الأخلاقي للقبيلة وخضوعه للمستعمر، مما ينزع أي هالة طهرانية رومانسية عن البنى العائلية التقليدية، ويكشف مدى قابليتها للتصدع حين تتصادم قيم العصبية مع الإغراء المادي والسلطوي الذي وفره جهاز الحماية الاستعمارية.

تكتسب المواجهة بين مريريدة وابن عمها على الخشبة بعداً دراماتورجياً بليغاً؛ إذ يصبح الصدام الداخلي مع الخيانة الأهلية أشد إيلاماً من بطش الاحتلال الأجنبي المباشر. إن مريريدة، التي ترفض المساومة على حرية جسدها أو لسانها، تجد نفسها في مواجهة رجل من صلب عشيرتها اختار التفريط في حرية أرضه وأهله لقاء فتات السلطة الكولونيالية. وبذلك يستحيل الصراع بينهما من مجرد خلاف أسري إلى مرآة عاكسة للانقسام التاريخي العميق الذي وسم تلك المرحلة، حيث تهاوت الطمأنينة المفترضة في صلات الدم أمام امتحان الموقف والمسؤولية الأخلاقية.

تجسيد الصراع التراجيدي بين حرية الصوت ومأزق الانصياع العسكري
📷 تجسيد الصراع التراجيدي بين حرية الصوت ومأزق الانصياع العسكري

التموضع البنيوي والسيميائي للشخوص والفضاءات الركحية

يوظف العرض شبكة من العلاقات المتقاطعة التي تعيد توزيع الأدوار والرموز على الخشبة، كاشفاً عن تمفصلات الصراع بين مراتب المجتمع وسلطات الاحتلال، كما يوضحه الجدول المقارن الآتي:

الشخصية الدرامية التموضع الاجتماعي والوجودي الفضاء الركحي والدلالي الوظيفة السيميائية والدراماتورجية
مريريدة نَايْتْ عَتِيق الشاعرة المتمردة، والذات المهمشة المجردة من السلطة المؤسسية. ساحات الأسواق، والدروب الجبلية الوعرة، والفضاء المفتوح المقاوم للحصار. تقويض النمط البطريركي، واستعادة السيادة على الجسد واللغة الشفهية، وتعرية الزيف الأخلاقي والاجتماعي.
عمر العسكري القريب المنحدر من صلب العشيرة، والمجند المتواطئ مع سلطات الحماية. الثكنة، والفضاء العسكري، والتخوم الهجينة الفاصلة بين القبيلة والإدارة الاستعمارية. تجسيد التمزق الأهلي، ومساءلة روابط الدم بوصفها أرضية قابلة للاختراق والعمالة لـ«إيرومين».
روني أولوغ
(René Euloge)
المعلم، والباحث الإثنوغرافي، والإداري الكولونيالي، والمدوِّن الشغوف. فضاء التدوين، ومكاتب الاستعلامات، وزوايا الإصغاء المحايد ظاهرياً. تفكيك عنف الترجمة والاستلاب الأرشيفي، وإبراز المفارقة بين الأصل الشفهي الحي والتدوين الكولونيالي.
بيزة مديرة الفضاء الليلي، والوسيطة في عالم تجارة الهوى المنبوذ. المقهى الليلي، والفضاء العتباتي المغلق المحكوم بالعتمة والستائر المنسدلة. تعرية الاستغلال الاقتصادي والمؤسسي لأجساد النساء، وإظهار مأزق النجاة في بيئة شديدة العنف.
بيبيا الصديقة، والرفيقة في الهشاشة المشتركة والمصير الإنساني. المساحات البينية، وأطراف المقهى، والهوامش الرخوة بين البؤس والبوح. كسر العزلة الوجودية للبطلة، وبناء شبكة تضامن نسائي غير خاضعة لاشتراطات المنظومة الذكورية.

سوسيولوجيا الهامش والفضاءات العتباتية: حيوات «بيزة» و«بيبيا» وأخلاقيات التضامن

يتسع النطاق الدلالي لمسرحية «مريريدة» مع دخول شخصيتي «بيزة» و«بيبيا»، المرتبطتين بفضاء المقهى الليلي وعالم تجارة الهوى. يرفض الإخراج الانزلاق نحو خطاب الإدانة الأخلاقية أو الرؤية السكونية التي تختزل المرأة في وظيفتها الجسدية المفروضة، بل يقارب هذه النماذج البشرية بوصفها نتاجاً لشروط مادية وقهر اجتماعي مركب. إن استدعاء هذه الشرائح المقصية يمنح الحكاية بعدها الإنساني العاري، متجاوزاً مدارات التبجيل الرومانسي إلى ملامسة القيعان المعتمة للوجود الاجتماعي.

يشكل المقهى الليلي في المعالجة الركحية ما يُصطلح عليه في الأنثروبولوجيا والنقد الثقافي بـ«الفضاء العتباتي» (Liminal Space)؛ وهو موقع بيني ملتبس تسقط فيه التراتبيات الاجتماعية الصارمة نهاراً، لتنكشف عورات المجتمع ونفاقه تحت جنح الليل. ترتبط «بيزة» بإدارة هذا الفضاء القاسي بوصفه آلية بقاء قسرية ضمن بيئة تجرد النساء الفقيرات من أي حماية اقتصادية، في حين تنهض علاقة الصداقة مع «بيبيا» معادلاً وجدانياً حميماً يبلسم جراح الاغتراب المشترك.

يتحول هذا الفضاء الركحي إلى مرآة فاضحة للنسق الجمعي؛ فالرجال الذين يمارسون سلطة القمع والوصاية الأخلاقية في وضح النهار هم أنفسهم من يرتادون تلك العوالم ليلاً مستهلكين أجساد النساء. ومن خلال تقاطع مريريدة مع هاتين الشخصيتين، يكشف العرض عن نمط فريد من «التضامن النسائي الجذري»، حيث لا تُقاس الروابط بمدى الامتثال لمعايير العفة البرجوازية أو المحافظة القبلية، بل بقدرة الذوات المستلبة على مد جسور العزاء المتبادل، والتعاطف الصامت، واقتسام ألم الوجود في وجه آلة تهميش لا ترحم.

شخصيات فضاء المقهى الليلي وأخلاقيات التضامن النسائي في مواجهة القسوة
📷 شخصيات فضاء المقهى الليلي وأخلاقيات التضامن النسائي في مواجهة القسوة

إبستمولوجيا الأرشيف والوساطة الكولونيالية: روني أولوغ ومأزق تمثيل التابع

يفتح الحضور الدرامي لشخصية المستكشف والمعلم الفرنسي روني أولوغ (René Euloge) أفقاً نقدياً حيوياً يتصل مباشرة بإشكاليات دراسات ما بعد الكولونيالية، ولا سيما ما طرحته غاياتري سبيفاك حول قدرة التابع على الكلام (في كتابها هل يستطيع التابع ان يتكلم؟)، وما نبّه إليه إدوارد سعيد بخصوص «التحديق الاستشراقي». فأولوغ هو الإداري والرحالة الذي التقى مريريدة في سوق أزيلال وماخوره خلال ثلاثينيات القرن العشرين، وترجم إنشادها الشفهي ودونه لينشره لاحقاً في عمله الشهير «أغاني تسّاوت» (Les Chants de la Tassaout) الصادر في طبعته الأولى عام 1959 ثم في طبعات لاحقة أبرزها طبعة 1963. يضع العرض عملية الانتقال من الحنجرة الشفهية الأمازيغية إلى الورق المطبوع باللغة الفرنسية تحت مجهر النقد التفكيكي. فلطالما مجّدت السردية السائدة أولوغ بوصفه «المنقذ الحضاري» والباحث الإنساني الذي انتشل شاعرة مجهولة من التلاشي المطلق في غياهب النسيان، غير أن المسرح يقلب هذه المعادلة (ولو نسبيا) عبر إبراز البعد العنيف الكامن في فعلي الترجمة والتدوين ذاتهما؛ إذ ضاع النص الأمازيغي الأصلي في صيغته الصوتية الشفهية الحية، ولم يصل إلى القارئ إلا بعد مروره بمصفاة الذائقة اللسانية للرجل الأبيض ومفرداته ذات الصبغة الرومانسية الغربية.

«الصوت يسبق الأرشيف وجودياً وأخلاقياً؛ فالشاعرة كانت صانعةً للمعنى قبل أن يخط قلم الباحث الكولونيالي كلماته على الورق، وتجربتها الإنسانية المجروحة كانت سابقة على ديوان “أغاني تسّاوت”. وبذلك، يطرح العرض سؤاله المقلق: من يملك حق حفظ الذاكرة ومن يحتكر سلطة تأويلها؟»

لا يلغي العرض أهمية الوثيقة المكتوبة التي حفظت المتن من الضياع، لكنه يعيد توزيع موازين القوى المعرفية والرمزية في الفضاء المشهدي؛ إذ يتراجع أولوغ إلى موقع المصغي التابع لجلال القول الأصلي، بينما تتبوأ مريريدة مركز السيادة الدرامية. إن الصوت يسبق الأرشيف وجودياً وأخلاقياً؛ فالشاعرة كانت صانعةً للمعنى قبل أن يخط قلم الباحث الكولونيالي كلماته على الورق، وتجربتها الإنسانية المجروحة كانت سابقة على ديوان «أغاني تسّاوت». وبذلك، يطرح العرض سؤاله المقلق: من يملك حق حفظ الذاكرة ومن يحتكر سلطة تأويلها؟ وهل شكّلت نجاتها عبر النص الفرنسي تكريماً خالصاً لها، أم كانت فصلاً آخر من فصول استعمار المخيال والهيمنة على الصوت المحلي؟

روني أولوغ (René Euloge) في مواجهة مريريدة: تفكيك الوساطة الكولونيالية وسلطة التدوين
📷 روني أولوغ (René Euloge) في مواجهة مريريدة: تفكيك الوساطة الكولونيالية وسلطة التدوين

السيمياء المشهدية والتنافذ الوسائطي من خلال تقاطعات الركحي والسينمائي

اشتغلت الرؤية الإخراجية لمحمد أهمو على هندسة بصرية وسمعية تستثمر تقنيات التنافذ الوسائطي (Intermediality)، محولةً خشبة المسرح إلى فضاء سينمائي-مسرحي تركيبي يتفادى البلاغة اللفظية الزائدة، ويمنح الأداء إيقاعاً حركياً متدفقاً يغور في بواطن الشخصيات. تأسس التشكيل الضوئي على تقنية التضاد النوري، حيث لم تكن الإضاءة مجرد عنصر تقني للإنارة الفيزيائية، بل فاعلاً دراماتورجياً يعيد ترسيم خرائط القلق والحرية. استُخدمت البقع الضوئية المخروطية الحادة لعزل مريريدة ومحاصرتها في مساحات ركحية ضيقة، في إحالة سيميائية مكثفة إلى القمع الاجتماعي والرقابة المفروضة على خطواتها. وفي المقابل، غمرت العتمة المتدرجة فضاء المقهى الليلي والدروب الخلفية، مما خلق توتراً بصرياً دائماً بين ما تدركه العين بوضوح وما يتوارى في الظلال، عاكسةً الانشطار الوجودي لشخصيات تعيش على الحافة، وتتحسس حريتها في العتمة اتقاءً لأحكام المتلصصين.

أما البناء الصوتي (السينوغرافيا الصوتية)، فقد تحرر من وظيفة المرافقة التزيينية أو الإيضاح الفولكلوري للبيئة الجبلية، ليغدو مكوّناً بنيوياً ينسج خيوط الحكاية. تضافرت الترددات الإيقاعية للأهازيج الأمازيغية التراثية مع مؤثرات صوتية حديثة مشحونة بالقلق؛ حيث شكلت دقات الدفوف والطبول المتسارعة صدىً للنبض المضطرب لأجساد مهددة بالقمع والموت الرمزي. ولم تكن لحظات الصمت الدرامي المباغت مجرد انقطاع في الصوت، بل مساحة سمعية دالة تجسد ثقل الصمت الإجباري الذي فُرض على نساء الأطلس لعقود طويلة، قبل أن تمزقه صرخات الشاعرة وضحكاتها المتهكمة التي تبدد وحشة المكان.

هندسة الفضاء الركحي والتشكيل السينوغرافي في أبعاد التنافذ الوسائطي
📷 هندسة الفضاء الركحي والتشكيل السينوغرافي في أبعاد التنافذ الوسائطي

سياسات الذاكرة والتاريخ المضاد؛ مساءلة الحاضر عبر الهامش الأطلسي

تتجاوز استعادة مريريدة نَايْتْ عَتِيق على خشبة المسرح حدود الاحتفالية الطقوسية أو التكريم التراثي المجرد، لتتحول إلى ممارسة نقدية تفعل «سياسات الذاكرة» عبر كتابة تاريخ مضاد يرتكز على مقاربة «التاريخ من الأسفل». إن رد الاعتبار لسيرة امرأة نبذها مجتمعها إلى الهامش لكنها ظلت شاعرة استثنائية، أو شاعرة حُكم عليها بالبؤس لأنها تجرأت على البوح، يمثل صفعة للسرديات التاريخية الأرثوذكسية التي تنتقي أبطالها وفق معايير النقاء الطبقي أو التواطؤ المؤسساتي.

تثبت هذه التجربة المسرحية أن التراث الثقافي يكتسب قيمته الحقيقية من قدرته الدائمة على إزعاج السائد، ونكء الجراح المغيبة، وإنصاف المنفيين من مدونات المؤرخين الرسميين. لا يُسدل العرض ستارته على نهاية خلاصية مطمئنة، بل يترك المتلقي معلقاً في مواجهة أسئلة إبستمولوجية حارقة تتصل بالحاضر اتصالها بالماضي: كم من الشاعرات والمبدعات قُبرت أصواتهن في الوديان السحيقة والقرى القصية دون أن يجدن أذناً تصغي إلى شجوهن؟ وكم من الذوات ما زالت تعاني حتى اللحظة من أدوات الحصار ذاتها، حيث يُختزل الجسد الأنثوي في وظيفته الدونية، ويُجرَّد من حقه في تملّك لغته وتقرير مصيره؟

إن «مريريدة» ليست مجرد سيرة طُويت صفحتها في أربعينيات القرن المنصرم وواراها الثرى في قبر مجهول، بل هي صرخة تمرد تتجدد على خشبة المسرح لتؤكد أن القصيدة الشفهية الحرة تظل أطول عمراً من جدران القهر، وأن الذاكرة الجمعية، حين يتعهدها الفن بالتفكيك والمقاومة، تصبح قلعة عصية على النسيان.

📷 ألبوم فوتوغرافي: مشاهد ولقطات حية من العرض المسرحي «مريريدة»

توثيق بصري للأداء التعبيري والتشكيل المشهدي على خشبة المركز الثقافي بالخميسات (فرقة فضاء أثينا)

التقابل المشهدي والتعبير الحركي للشخصيات
التقابل المشهدي والتعبير الحركي للشخصيات
لحظة بوح وتوتر دراماتورجي في فضاء الحكاية
لحظة بوح وتوتر دراماتورجي في فضاء الحكاية
تجسيد الصدام النفسي والارتهان للسلطة
تجسيد الصدام النفسي والارتهان للسلطة
حركة الممثلين وتوظيف الفضاء الركحي المفتوح
حركة الممثلين وتوظيف الفضاء الركحي المفتوح
انكسار الذات والبحث عن ملاذ في الذاكرة
انكسار الذات والبحث عن ملاذ في الذاكرة
التشكيل النوري وإبراز العزلة الوجودية للبطلة
التشكيل النوري وإبراز العزلة الوجودية للبطلة
تفاعل الشخصيات في مساحات التوتر والترقب
تفاعل الشخصيات في مساحات التوتر والترقب
المخرج محمد أهمو (ميدو) مناقشاً العرض مع الجمهور
المخرج محمد أهمو (ميدو) مناقشاً العرض مع الجمهور
حوارية التلقي والنقاش النقدي في المركز الثقافي
حوارية التلقي والنقاش النقدي في المركز الثقافي
ملامح الشخصيات في لحظات الصمت الدرامي المكثف
ملامح الشخصيات في لحظات الصمت الدرامي المكثف
تعبيرية الجسد والنبض التراجيدي للأحداث
تعبيرية الجسد والنبض التراجيدي للأحداث
تدرج الظلال والعتمة في المشاهد المفصلية
تدرج الظلال والعتمة في المشاهد المفصلية
تصاعد الصراع الدرامي وانكشاف الهشاشة الإنسانية
تصاعد الصراع الدرامي وانكشاف الهشاشة الإنسانية
مشهد ختامي يجسد صمود الذاكرة والقصيدة الأمازيغية
مشهد ختامي يجسد صمود الذاكرة والقصيدة الأمازيغية
عبد الجليل ولد حموية
كاتب وباحث مسرحي
الخميسات، أكتوبر 2026

موضوعات ذات صلة