في الحاجة إلى حماية حق الامتناع مسطريا
في الحاجة إلى حماية حق الامتناع مسطريا
أعاد المشهد البرلماني بمناسبة افتتاح الدورة التشريعية الحالية، وتحديداً خلال جلسة انتخاب رئيس مجلس النواب، نقاشاً دستورياً ومسطرياً بالغ الأهمية يتعلق بوضعية «الورقة البيضاء» وحدود احتسابها والتعبير من خلالها داخل المؤسسة التمثيلية. فقد شهدت عملية فرز الأصوات إيداع عدد ملحوظ من الأوراق البيضاء، وهي الخطوة التي طرحت في الساحة السياسية والقانونية تساؤلات جوهرية حول فلسفة التصويت، وماهية الموقف السياسي المعبر عنه، والسبل الإجرائية الكفيلة بحماية «حق الامتناع» وترسيمه دستورياً ومسطرياً، عوض تصريفه تقنياً كعدم أو ملغى.
إن لجوء فريق أو مجموعة نيابية إلى إيداع “الورقة البيضاء” ليس عدماً ولا سهواً تقنياً، بل هو تعبير سياسي كامل الأركان يجسد موقفاً واعياً بالامتناع عن التزكية دون التفريط في واجب المشاركة والحضور المؤسساتي. إنه ممارسة لخيار سياسي قائم الذات يبتغي إرسال رسالة مؤسساتية بليغة: الحضور الفعلي في المسطرة مع التحفظ الصريح على مخرجات التوافقات الأغلبية أو خيارات التعيين المطروحة.
1. الامتناع كفعل سياسي واعي: ما وراء الورقة البيضاء
في التجارب الديمقراطية المقارنة، لا يُعد الامتناع مجرد سلبية أو فراغ مسطري، بل هو صوت قائم الذات (Vote d’abstention) محمي بقواعد إجرائية دقيقة ومستقل تماماً عن «الأوراق الملغاة» الناتجة عن عيب شكلي أو إخلال بضوابط التصويت. فحين يودع النائب ورقة بيضاء، فهو يمارس واجبه الانتدابي بوعي كامل؛ إذ لم يتغيب عن الجلسة، ولم يعبث بورقة التصويت، بل اختار التعبير عن موقع وسطي يرفض خياري «نعم» أو «لا»، أو يرفض مرشحاً معيناً دون أن يصوت لخصمه.
غير أن الممارسة المسطرية الراهنة تميل أحياناً إلى خلط هذا التعبير الإرادي بالأصوات الملغاة التي لا يُعتد بها في تحديد الأغلبية، مما يؤدي عملياً إلى مصادرة المضمون المعنوي والسياسي لهذا الموقف، وحرمان الفاعل البرلماني من توثيق موقفه بدقة داخل محاضر الجلسات الرسمية للبرلمان.
2. الفراغ المسطري وضرورة التحصين الإجرائي
تكمن الإشكالية المركزية في أن الأنظمة الداخلية للغرفتين لم تفرد لـ«الورقة البيضاء» وضعاً مسطرياً مستقلاً وواضحاً أثناء عمليات انتخاب هياكل المجلس وأجهزته المسيرة، بخلاف مساطر التصويت على القوانين والمشاريع حيث يمكن التعبير عن الموقف بـ«ممتنع» إلى جانب «موافق» و«معارض». هذا التفاوت المسطري يجعل ممارسة حق الامتناع في اللحظات التأسيسية لانتخاب الهياكل رهينة بتأويلات آنية غالباً ما تفرغه من وزنه الدستوري.
إن تطوير الممارسة الديمقراطية داخل المؤسسة التشريعية يقتضي مراجعة شجاعة للمساطر الداخلية، بحيث يتم الاعتراف الصريح بالامتناع وتوثيقه كفئة مستقلة في محاضر الفرز الإشهارية. فالنائب البرلماني حين يمتنع، يمارس حرية التعبير والانتداب التي كفلها له الفصل 60 من الدستور، الذي نص بوضوح على أن «التصويت حق شخصي لا يمكن تفويضه»، بما يشمله ذلك من حق الإيجاب أو النفي أو الامتناع الإرادي.
3. نحو تأصيل دستوري لثقافة المعارضة البناءة
إن حماية حق الامتناع مسطرياً ليست مجرد ترف فقهي أو تفصيل تقني، بل هي لبنة أساسية لترسيخ التعددية داخل البرلمان وصيانة المكانة الدستورية للمعارضة البرلمانية المنصوص عليها في الفصل 10 من الوثيقة الدستورية لسنة 2011. فحين تتيح المسطرة إمكانية الامتناع المعترف به شكلاً وجوهراً، فإنها تفسح المجال لظهور مواقف نقدية راشدة لا تجد ذاتها في التموقع الميكانيكي مع الأغلبية ولا في الاصطفاف الرافض، بل في تسجيل ملاحظات سياسية متقدمة تخدم تجويد الأداء الجماعي ومساءلة تدبير المؤسسة.
لقد آن الأوان لكي ترتقي مساطرنا البرلمانية من منطق الفرز الحسابي الصرف إلى أفق الاستيعاب الديمقراطي لجميع تعبيرات الإرادة التمثيلية؛ فحفظ حق النائب في الامتناع الإرادي هو انتصار لسمو الدستور وشفافية الممارسة البرلمانية السليمة.
«إن لجوء فريق أو مجموعة نيابية إلى إيداع “الورقة البيضاء” ليس عدماً ولا سهواً تقنياً، بل هو تعبير سياسي كامل الأركان يجسد موقفاً واعياً بالامتناع.»
«اختزال هذا الموقف الواعي في خانة الأصوات الملغاة مصادرة تقنية لموقف سياسي معلن، وتجريد لفعل التمثيل الديمقراطي من شحنته المعنوية.»
«الديمقراطية البرلمانية لا تقوم فقط على فرز الرابح والخاسر، بل تتغذى أيضاً على حفظ الموقف والاعتراف بالامتناع كخيار مشروع ومحمي بالنص.»
